وسكن من جامحه ما يشغب، وحتى من فاتحه ما سقى الحياء ورد خده فتشرب يسمى في هذا الفن بكل أسمائه وأبرز أنواره سافرة من ظلمائه، وكان عاطلًا حتى حلاه، وباطلًا حتى جلاه، وشكًا حتى طلع فجره المشرق، ووهمًا حتى وضح صبحه في ضمير المشرق، وسلك منه طريقة كان يعرف بحسنها، ويأمر قومه الشعراء أن يأخذوا بأحسنها، وحصلت له هيأة إقبال اساشت حظة الخامل، وآمنت من السرار بَدْرَه الكامل، ووالت عليه صيبها، وساقت إليه في أنفاس السَّعَر طيبها، وزَفَّتْ عليه أبكارها وزادت ثوابًا بثيها.
قال ابن بسام (١): «كان لسانًا بهذا الأفق، عن العرب أعرب، وكوكبًا من المشرق غرب، ومن أشهر خبر بلغني عنه أنه حضر يومًا مجلس المعتمد وقد أُدخل إليه جملة وافرة من دنانير الفضة، فأمر له بخريطتين منها، وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الجوهر، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذه الدنانير - أيدك الله - إلا جمل، فتبسم وأمر له به؛ فقال أبو العرب على البديهة:[من البسيط]
أَحذَيْتَنِي جَمَلًا جَونًا شَفَعْتَ بِهِ … حِمْلًا منَ الفِضَّةِ البيضاء لو حملا
لا يحط شعره ولا يسف، ولا يثقل ولا يخف وتندر له الأبيات، وتبدر منقادةً له المعاني الأبيات، حط قدر شعره إلا أنه تصنع، وجاء لا يخفي عليه أنه تطبع، فكان يبدو عليه أثر التكلّف، ويظهر عليه سيماء التخلّف، فلا ترى وزنه وافيًا، وبره إلا خافيا. قال ابن بسام (٤): «شعره عاطل من حلي البديع، وأفرط في باب الاستعارة وأبعد، وخرج فيها إلى حيز الإضحاك مما برد».
ومما أنشد له من حسنه قوله يستهدي راحًا (٥): [من البسيط]