للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فسبق الصباح مبلجًا، وصدق نفس النسيم متأرجًا، وراض فكره كل جامح، وراع كل جانح، واقتاد سراه دهماء الظلماء مسرجه، وأعاد سبحة الليل فيروزجه، ومرق أديم النهار، وحنق مضائق الطرق والمنار، وجاء جواده السابق تقدح سنابكه النار. قال ابن بسام فيه (١): «له سبق لا ينكر، وإحسان لا يزال يذكر.

وأنشد له أبو الوليد بن عامر في كتابه المسمى بـ «البديع في فصل الربيع»: [من السريع]

قد قلتُ للرَّوض ونُوَّارُهُ … نوعانِ تَبْرِي وفضي

وعَرْفُهُ مختلفٌ طَيْبُهُ … عِرفانِ مِسْكِيٌّ وخَمْرِي

ووجه عبد الله قد لاحَ لي … وهوَ مِنَ البهجَةِ دُرِّيٌّ

سم عرشك الأرضي إنَّ الذي … أبصرتَهُ عَرش سماوي

حُسْنُكَ نُورِيُّ بلا مِرْيةٍ … وحُسْنُ عبدِ اللهِ نُورِي

وقوله (٢): [من المجتث]

كأنما الرَّوضُ لمّا … وشَتْ يَدُ المُزْنِ أَرْضَهْ

كواكبٌ في سماء … مِنَ الزَّبَرْ جَدِ مَحْضَهْ

أَوْ لُؤْلُؤ فوقَ أَرضِ … مِنَ المَها مُبْيَضَّة

كأنما الوَرْدُ خَدٌ … أبقى بهِ اللثم عضة

ومنهم:

[٤٣٢] أبو عبيد البكري (٣)

رجل يُعد من العلماء، ويُعَلُّ منه مزاج الراح بالماء، لا ينكر فضله إلا جاحد،


(١) الذخيرة ٢/ ٢٠٦.
(٢) من قطعة قوامها ٩ أبيات في الذخيرة ٢/ ٢٠٢.
(٣) عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، أبو عبيد، من قبيلة بكر التي كان لها شأن بين القبائل العربية في غربي الأندلس، ويعتبر أقدم جغرافيي الأندلس.
كان جده محمد بن أيوب قاضي لبلة - بالأندلس - واليًا على شلطيش - بالأندلس أيضًا - في خلافة هشام الأموي، وقد حاول شأن غيره من الولاة أن يستقل بحكم هذه الإمارة عقب سقوط الدولة الأموية، وفي فترة الاضطراب الممعروفة في التاريخ بعهد ملوك الطائف نجح محمد في محاولته هذه، ولكن ابنه عبد العزيز عجز بعد وفاته عن الصمود أمام هجمات المعتضد أمير إشبيلية، واضطر إلى تسليم إمارته وحمل أمواله وفر هو وولده البكري سرًا من شلطسش إلى قرطبة، وفيها ولد البكري سنة ٤٣٢ هـ وأتم دراسته على أشهر علماء عصره. وكان من أعيان أهل الأندلس وأكابرهم، ولما توفي أبوه سنة ٤٥٦؛ التحق بخدمة محمد بن معن أمير المرية الذي لقيه حسنًا، =

<<  <  ج: ص:  >  >>