ولا يقاس عليه في الناس إلا واحد لا تسع قدره الصدور، ولا تسمع بمثل حلته البدور، لو زاحمه الطود لانهد، أو قارعه العود لما سد.
قال ابن بسام فيه (١): «وكان بأفقنا آخر علماء الجزيرة بالزمان، وأولهم بالبراعة والإحسان، كأَنَّ العرب استحلفته على لسانها، أو الأيام ولته زمام حدثانها، ولولا تأخر ولادته، وعهده في زيادته، لأنسى ذكر كنيه المتقدم الأوان، ذرب لسان، وبراعة إتقان، وله تقدّم سبق، وسلف صدق، وقد كان لسلفه بغربي الجزيرة ذروه فعدوا منها مقاعد أكابر الأمراء، ولهم في ذلك، وللمعتضد قريع أقرانهم، الذي طم واديه على قريانهم، أخبار ذكرها ابن حيان».
ومما أنشد له (٢): [من الطويل]
خليلي إنِّي قَدْ طَرِبْتُ إلى الكاس … وتُقْتُ إلى شم البنفسج والآس
فقُوما بنا نَلْهُو ونستمع الغنا … ونسرقُ هذا اليومَ سِرًّا مِنَ الناس
وأورد من نثره قوله (٣):
«وإني لي في هذا ما صانه عرض أرميه أو أضاءه سقط أريه، مع زمانة الزمان، وبلادة البلد، من قريحة قريحة، وطبع طبع، وخم وخيم، ونحو قد نُبذ، ولغة جعلت لغوًا، وطالب العلم مطالب والمتخلّي به مُحلّى، وقضايا العقل معكوسة، وخطوط الفصل منحوسة».
= وجعله بعد ذلك من صفوة خلصائه، اصطفاه لصحبته وآثر مجالسته والأنس به. وتابع البكري دروسه في هذه المدينة وحضر على أعلامها ومن بينهم أبو مروان بن حيان المتوفي ٤٦٩ هـ. وكانت له شهرة العلم الأديب، وحظت أشعاره بالتقدير، وإن كانت مؤلفاته في فقه اللغة والأدب هي التي حازت الإعجاب والثناء، وكان واسع المعرفة بمعاني الأشعار والغريب والأنساب والأخبار، فاضلًا في معرفة الأدوية المفردة وقواها ومنافعها وأسمائها ونعوتها وما يتعلق بها، غير أن معاقرته وإدمانه للخمرة كانت من أهم المؤاخذات عليه توفي بقرطبة سنة ٤٨٧ هـ، وله مؤلفات مهمة، منها: «كتاب المسالك والممالك» ط و «معجم ما استعجم» ط و «كاتب التنبيه على أوهام أبي علي القالي في أماليه» ط و «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» ط و «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفي ٢٢٤ ط. ترجمته في: قلائد العقيان ١٨٩ - ١٩١، الصلة لابن بشكوال ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ٦٣٢، خريدة القصر (قسم شعراء المغرب) ٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦ رقم ١٢٨، الحلة السيراء ٢/ ١٨٠ - ١٨٧ رقم ١٣٩، المغرب ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨ رقم ٢٤٩، الوافي بالوفيات ١٧/ ٢٩٠ - ٢٩٢، عيون الأنباء ٢/ ٥٢، روضات الجنات ٤٥٠، دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٤٨، أعلام العرب ١/ ٢٤٨. معجم الشعراء للجبوري ٣/ ٣٦٣. (١) الذخيرة ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣. (٢) من قطعة قوامها ٤ أبيات في الوافي ١٧/ ٢٩١ ومن قطعة قوامها ٣ أبيات في الذخيرة ٢/ ٢٣٨. (٣) الذخيرة ٢/ ٢٣٢.