الحتوف، وامتد به المرعى حتى أتى حلب، وخلفت له أخلاف شاتها عن أمه الحلب، اتصل بسلطانها الملك الأفضل، فأنعم عليه وأفضل، ثم اتصل بأخيه الملك الظاهر، فسرح في خصبه الظاهر، فنعم في ذراهما، ورغم حاسده بما أراهما من أدب ما عُهد مثله لابن خروف، ودأب لا ينكر منه له معروف، وكان بينهما يتقلب على صوف، ولا يتطلب له مرعى مخضبٌ ولا كلًا موصوف، ثم لم يزل في كنفهما يسرح وبمقيله لديهما لا يبالي بالفقر الذي يذبح، فهنأه لديهما الماء والعلف وأرضاه سوق الدهر له إليهما عما سلف، وأقام لديهما واحدًا بعد واحد سائمًا في تلك المسارح، هائمًا بطالع كلّ نجم يرعاه الأسعد الذابح. لم ينظر منذ أحيا بأنواء تلك السحب لطيره المقفل، ولا خاف الذبح وهو يزهو بلحم كصفاح البناء المشيد، وشحم كهداب الدمسق المفتل، وجوائزهما يصل إليه حتى تفقأ سَمِنا، ورأى كل عامرٍ سوى جنابهما الممرع دمنا … فعت عن الكلأ وخف بعد أن طغى به شمم الكلأ، وناطح الكباش، ولم يتعظ بذاهب القرون، ولا تبصر بما أفنته سكاكين المنون، ولم يعلم بأن ابن الخروف، وإن كان الحمل فإن طرفه في السماء لم ينم/ ٣٨٥/ ولم يشعر بأنه وإن نأى عن العرب، سيعقب في مصر بجزار لا يهوله كثرة الغنم، وأعر بكف يد الأيام عن مد أسره، وغنى الأنام عن رض عظمه وكسره، وأنساه الغرور، فأمسى وأضحى، وامتد كأنه لم يؤخر لفطر، ولا أضحى، وأدفأته جلدته، ولم يعلم كيف تُنزع فروته، وتقصر مدته، فسعى إلى مصر ولم يأن له أن يسعى، ولا بان له كم من خروف في المسلخ، وكبش في المرغى. فحين أتاها عاجله الحين، وأُدخل الرأس منه البطين، وأتاه جيش المنايا، ولا يعرف إلى أين. ومما حضرني له قوله في كأس تدار على الندامى مملوءة مداما، قوله، وهو:[من مجزوء الرمل]
أَنَا جسم للحُمِيّا … والحُمِيّا ليَ رُوحُ
بين أهلِ الظَّرْفِ أَغدو … كل يوم وأَرُوحُ
وقد ذكره أبو حيان وأنشدهما له.
ومنهم:
[[٤٩٩] محمد بن محمد بن أحمد بن محمد الطائي القفصي]
ما نهنه في الدأب، ولا قصر به إلا حرفة الأدب. قدم مصر وأقام بالقاهرة، لا تسعه شوارعها، ولا تجرعه مشارعها، وهي على مجمع ناسها، ومسبع أخياسها، لا تبيته إلا على سغب، ولا يسكن له إلا على شعب. كان بها يستجدي بالشعر، ولا يجدي عليه الرخص السعر، وكان فيها يخمد كلّما التهب، ويطلب نحاسة، وهو ينفق الذهب،