للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَطَارَ جَناحُ البَيْنِ بي و وهَفَتْ بِها … جَوَانِحُ مِنْ ذُعْرِ الفِرَاقِ تَطِيرُ

لئنْ وَدَّعَتْ مِنِّي غَيُورًا فإِنَّنِي … على عَزْمَتِي مِنْ شَجْوِهَا لَغَيُورُ

ولو شاهدتني والهواجرُ تَلْتَظِي … عليَّ ورَقْرَاقُ السَّرابِ يَمُورُ

أُسلِّطُ حَرَّ الهاجرات إذا سطا … على حُرِّ وجهي والأصيل هَجِيرُ

وأستنشق النكباء وهي لواقح … وأستوطئ الرمضاء وهي تَفُورُ

وللموت في غير الجِبَانِ تَلَوُّنٌ … ولِلذَّعْرِ في سَمْعِ الجَرِيءِ صَفِيرُ

لبان لها أَنِّي مِنَ الضَّيْم جازع … وأَنِّي على مَضَ الخُطُوبِ صَبور

ولو بَصُرَتْ بي والسُّرَى جُلُّ عَزْمتي … وجَرْسِي لِجِنانِ الفَلَاةِ سَمِيرُ

واعتَسِفُ المَوْماةَ في غَسَقِ الدُّجى … وللأسد في غيل الغياضِ زَئِيرُ

وقدْ حَرَّمَتْ زُهْرُ النُّجومِ كَأَنَّها … كواعب في خُضْر الحدائقِ حُور

ودارت نجوم القطب حتى كأَنَّها … كؤوسُ مَهى والى بهنَّ مُدير

وقد خُيِّلَتْ طُرْقُ المَجرَّة أَنَّها … على مَفْرِقِ الليل البهيم قَتِيرُ

وثاقب عزمي والظلامُ مروّعٌ … وقَدْ غَضَّ أَجفانَ النُّجومِ فُتُورُ

لقد أيقنتْ أَنَّ الْمُنَى طَوْعَ هِمَّتي … وأَنِّي بعطف العامري جدير

قلت: ومن وقف على هذه القصيدة، وقصيدة أبي نواس عرف فضله على من تقدم، وشهد له بأنه سبق وإن تأخر، وجزم بأنَّ الرجال معادن وأن لكل زمان محاسن، ولم يشك أنَّ الخواطر موارد لا تنزح، وأنَّ الأوكار مصابيح لا تطفأ، وأَنَّ الأفهام مرايا لا تتناهى صورها، وأَنَّ العقول سحائب لا ينفد مطرها، وعلم أنَّ المعاني غير متناهية، والفضائل غير متوارية، ولم يعد يخالج نفسه شك الجهال، فيقول كما قالوا: إنَّ الأوائل ذهبوا بالفضل كله، وسبقوا إلى الحسن جميعه.

إنَّ أُمَّ الليالي لولود، وإنَّ الفضل في كل حين لمشهود، وإنَّ هذا الشاعر في قصيدته هذه التي عارض بها أبا نواس لمجيد.

قال: فلم يدع له عارضًا يستمطر، ولا عارضة تذكر. وإنَّه لحقيق بأن ينشد: [من الطويل]

وإنّي وإن كنتُ الأخير زمانه … لآت بما لم تستطعه الأوائل

ومنهم:

[٢٧٥] إدريس بن اليمان العبدري، أبو علي اليابسي (١)

ويابسة من الجزائر الشرقية بالأندلس على سمت مدينة دانية، وسمة الثريا


(١) أبو علي، إدريس بن عبد الله بن اليمان بن سام العبدرى اليابسي. ولد في جزيرة يابسة، نشأ وتعلم في مدينة دانية، وظهرت مواهبه فيها، ثم تردد على ملوك الطوائف يمدحهم وفي مقدمتهم =

<<  <  ج: ص:  >  >>