ولاوى كل غالب. ألفت إلى الأدب طرفه بعض الحين، وجناه غض الرياحين، ثم أقبل عليه حتى فوّف الوشائع، وشنَّف بالبدائع، وتصرّف في الحكم، وتخطف غرر الكلم ولم يحط غرضًا، ولا خلى لمتعلل مرضا، وكشف معائب الدنيا الدنية، ودلّ على بواطنها الخفية.
وذكره ابن بسام وقال (١): «كان يعرف عندنا بالطليطلي، ممن نظم الدر المفصل، وطبق المفصل، لا سيما في الزهد؛ فإنَّ أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه».
ومما أنشد له قوله يصف نملة (٢): [من السريع]
وذاتِ كَشْحٍ أَهْيَفٍ شَخْتِ … كَأَنَّما تُولَعُ في النَّحْتِ
كأَنَّما آخرُها قَطْرَةٌ … صغيرةٌ من قاطر الزفت
أَوْ نقطةٌ جامِدَةُ خَلْفَها … قَدْ سَقَطَتْ مِنْ قَلم المُفتي
تَسْرِي اعتسافًا ولقدْ تَهتدي … في ظُلْمَةِ الليلِ إِلَى الخَرْتِ
ومنهم:
[٤٤٢] محمد بن البين، أبو عبد الله (٣)
قصد الجزالة، وما وجد الجزالة، سمق في الأدب شجره، ودفق البحر وسجره، ثم ابتغى سببًا، وأبدع موجزًا ومسهبا، فجاء الثريا معتجرة، ووافي بعين الصباح منفجرة، وتمذهب به أهل أفقه، وذهب على أثر ابن هاني في أول رفقه، فجد وما ولى، وقرب مما أراد ودنا، وأمسى والفضل لا يفوته، والمسك يتضوّع لديه فتيته.
قال ابن بسام فيه (٤): «كان يحضره بطليوس مستظرف الألفاظ والمعاني، وكان يميل إلى طريقة محمد بن هانئ، على أن أكثر أهل وقتنا وجمهور شعراء عصرنا إليها يذهبون، وعلى قالبه يضربون».
ومما أنشد له قوله (٥): [من الكامل]
كيف النَّجاءُ وللبروقِ مَجَامرٌ … في جانبيك وللنسيم كفاءُ
(١) الذخيرة ٢/ ٧٩٧.
(٢) من قصيدة قوامها ١٢ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٧٩٧.
(٣) ترجمته في: المغرب ١/ ٣٧٠، رايات المبرزين ٦٠، نفح الطيب ٣/ ٤٥٣، الذخيرة ٢/ ٧٩٩ - ٨٠٣.
(٤) الذخيرة ٢/ ٧٩٩.
(٥) من قصيدة قوامها ١٣ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٨٠٠ - ٨٠١.