ألا لا يُفَنّد عاشقًا مَنْ لَهُ ذِهْنُ … فوالله لولا العِشْقُ مَا عُرِفَ الحُسْنُ
ومنهم:
[٤٤٦] محمد بن سوار الأشبوني (١)، أبو بكر
تصبب من بحر، وتلبّب في نحر، وقطف الكلام حينًا ما صنع، وجليًا ما صدع، وشغل به زمانًا، وعكف يلفظ جُمانًا، ولم تخله الأيام من نكدها، ولا أخلته من عُقَدِها، والكريم مُلقى والشدائد لا تبقى.
قال ابن بسام (٢): «وأبو بكر واحد عصره، وله عدة قصائد في ملوك قطره، قالها تحببًا لا تكسبًا، وعمر مجالسهم بها وفاء لا استجداء؛ فلما خلع ملوك الأندلس حالت به الحال، وتقسمه الإدبار والإقبال، ثم أسره العدو وقيد بقورية، ثم خرج من وثاقه، خروج البدر من محاقه، ثم أسمع الله صوته من وراء البحر المحيط، قاضي القضاة بالمغرب، وسلالة الأطيب فالأطيب أبو الحسن علي بن القاسم بن عشرة، فأعاد هلاله بدرًا، وصيّر خله خمرًا».
ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط]
ألست تذكر يومًا حين زرتُهُمُ … والدهر يخرجُ مِنْ حُزْنٍ إِلَى عُرس
نزلتُ في موضع جَفَّ الغدير به … كما يجفُ اخضرارُ الليل بالغَلَسِ
يُريك دائرة الدينار صفحتَهُ … فإنْ ينادي قليلًا صار كالترس
كأَنَّ جود علي جاد لجنَّهُ … فليسَ يُخشى عليه آفة اليبس
مُطَهَّرُ لمْ يُدنّس عِرْضَهُ بَخَلُ … وجوهرُ الشمس معصوم مِنَ الدَّنَسِ
وقوله يصف كيفية القبض عليه حين أُسر (٤): [من الطويل]
وليل كَهَمّ العاشقين قميصُهُ … رَكِبْتُ دياجِيهِ وَمَرْكَبُهُ وَعْرُ
سَرَيتُ وأصحابي يُميلهُمُ الكَرَى … فهم منهُ في سُكْرِ وما بهم سُكْرُ
رميت بجسمي قَلْبَهُ فَنَفَذْتُهُ … كما نَفَذَ الإصباحُ إِذْ فُتِقَ الفَجْرُ
ولما بدا وجه الصَّبَاحِ تَطَلَّعَتْ … خُيُولٌ مِنَ الوادي مُجَلَّلَةٌ غُرُّ
(١) ترجمته في: المغرب ١/ ٤١١، المحمدون من الشعراء ٣٥٩، الوافي بالوفيات ٣/ ١٤٣، الذخيرة ٢/ ٨١١ - ٨٣٣.
(٢) الذخيرة ٢/ ٨١١ - ٨١٢.
(٣) من قصيدة قوامها ١٣ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٨١٤ - ٨١٥.
(٤) من قصيدة قوامها ٢٦ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٨١٥ - ٨١٦.