للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحكي أنه كان كلفًا في حال يهوديته بغلام اسمه موسى كان له حبيبًا، وكان به كئيبًا، وكان يفرط فيه غلوًّا، ولا يجد عنه سلوًا، ولا يزال في أودية فكره به هائمًا، وعلى مشرب ماء خدّه الندى حائمًا؛ فلما شُرِّف بدين الإسلام، وعرف شرفه سفه تلك الأحلام، كلف بغلام اسمه محمد اشتدَّ به كلفه، وقرب بسببه تلفه، إذ كان لا يقرّ هدوًّا، ولا يقل رواحًا إليه أو غدوًا، لهوى ثانٍ نسي به حبّ الحبيب الأول، ونسخ شرعه وكان يرى أنه لا يتحوّل، وفيها يقول (١):

تَرَكتُ هَوى مُوسى لحُبِّ محمد … ولولا هُدَى الرحمان ما كنتُ أهتدي

وما عَنْ قِلَّى مِنّي تَرَكْتُ وإنما … شريعةُ مُوسى عطلت بمحمد

وحكي أنه في حال يهوديته هام بغلام من أهل الشرف من بني الحسن بن علي، وكلف به كلفًا شغله، وأوقد شعله، وكان لا يصبر عن حبّه، ولا يقدر على قربه، ولا يزال يتعرّض له وهو يُعرض، ويصح له وده وهو يمرض، وكان الغلام ذا وجنات مشرقة، يشبّ لها حريق، ويشاب ماء شبابها برحيق؛ فلما رأى ديباجة خده المذهب، وسنى وجهه الذي كاد أن يتلهب، زاد فتونه وعظم في حبّه جنونه، وظن أنه يعاجل لهب ذلك الخد بحرق، ثم تحريق نار الآخرة، وعد أن يلحق فلما لم يجد مفرًا من ناريه ولا ممرًا عن طريق أواريه، وتيقن أنه سيُحرق في الدنيا قلبه بخده، وفي الأخرى جسمه بجده، قال (٢):

أيا ابن رسول الله رفقًا بمُغْرَمِ … فَعَمَّا قليل ينقضي فيك نَحْبُهُ

يحرِّقُ في الأخرى بجدِّكَ جِسْمُهُ … ويُحرقُ في الدنيا بحدِّكَ قلبه

وحكي أنه كان في حال يهوديته حافظًا للقرآن الكريم، يرتل سوره ويرتب سرره، ويقرب مساره، ويقرأ على ما جرت به العوائد أعشاره. كان يكاثر المسلمين ويخالطهم، ويحضر مجالس علمائهم ويباسطهم، وربما ناظر الفقهاء مناظرةً يقف في مدارج حلوقهم، وتذهب لو قبل الجدل بمناهج حقوقهم، ثم لم يزل على هذا إلى أن وضح له نور الحق الساطع، وأصاب مقاتل جدله حد السيف القاطع، وبانت له أعلام الإسلام، وما يسعه ظلّها الذي يسبغه، وحرب الحق، وهو يكر على الباطل فَيَدْمَعُه، والبدأة وقد جاءت والشريعة المحمدية، وهي لأطراف ملك الملل قد حارت فهدمت حينئذ ضلالته، وعُجّلت من عثرات الإصرار أقالته، ثم دخل في الدين الحنيف بكليته وأقبل يُطهّر به ذنوب أوليته، ثم كان آخر أمره أنه مات شهيدًا، ركب البحر فغرق، وغُصّ به اليم لفضله الجمّ فشرق وذلك في شهور سنة تسع وخمسين وستمائة،


(١) ديوانه ١١٦.
(٢) دوانه ٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>