كأنها بين أشجار منوَّرة … ظلت بمستجلس اللبلابِ تَسْتجف
مجامر تحت أثوابِ مُخَلَّبَةٍ … على مساحبِها دُخانُها يَهِفُ
وقال: هل تعلم في هذا المعنى شيئًا؟ ولم أرد بعد مكاشفته، فأضربت عن أبيات علي بن العباس الرومي في تشبيهه المجمرة بالفوارة، وإنما عكسه يعلى، وكنت قريبًا منه، وأنشدته لنفسي: [من الخفيف]
وكأَنَّ الأشجار في حُلَلِ الأنـ … وارِ والغَيْثُ دَمْعُه غير راقي
غانيات رُشِشْنَ مِنْ ماءِ ورد … فَخَبَأْنَ الوُجُوهَ في الأَطْوَاقِ
فقال: لمن أنشدتني بدءًا وعودة؟
قلت: للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ.
وعُرف بي فاستصحبني من ذلك اليوم».
قلت: وأنشد ابن رشيق له من القصيدة التي في البستان قوله (١): [من البسيط]
وتنبذ الماء من أفواهها صورٌ … فِيهِ فتحسبه والماء مرتدف
تثاءبت بي أوانَ القُرّ فاختلطت … أنفاسها والهوا في جسمه كثف
وأول هذه القصيدة:
نَشْرُ الصَّبا بأريج المسكِ مؤتنفُ … أم ريح بالسفح روضُ نَبْتُهُ أُنْفُ
ما زال تسترقُ الأنداء نَفْحَتُهُ … والليل قد هلهلت أثوابه السُّدُفُ
وحدثني بعض أصحابنا، قال: حضرت مجلس أبي محمد عبد العزيز بن أبي سهل البقال، وقد احتفل إذ دخل يعلى بن إبراهيم بن عبد الخالق مغضبًا تظهر عليه الوجة، فقال له الشيخ: ما بالك يا أبا الحسن واجمًا.
قال: أتيت أخانا أبا الفضل جعفرًا كاتب المعزّ - يعني المعز بن سيف العزيز بالله - زائرًا فحجب، والله لولا المحافظة، لكانت قطيعة، ثم قال لأحد التلاميذ: أمدد لي فكتب: [من الوافر]
أتيتُكَ زائرًا فحُجِبْتَ عَنِّي … ولم يُعرف مكانك بالحجاب
فلا تحسب بأنّي ذو اغتنام … لأكل عند مثلِكَ أَوْ شراب
فلي نفس إذا اللأَوَاءُ هَرَّتْ … جوانبها تَقَنَّعُ بالتُّرَابِ
وتَطْمَحُ في ذُرى الخيلاء كِبْرًا … إذا سِيمَت بضيق الاكتساب
ولولا أَنَّ في خُلقي اتادًا … تركتك بعدها خَلِقَ الإهاب
(١) انموذج الزمان ٣٤٣ - ٣٤٤.