ولكني رأيتُ الصَّبْرَ أَوْلى بمثلي … فانصرفتُ إلى العِتَابْ
فأشفق الشيخ من ذلك إشفاقًا شديدًا وخشي عادية جعفر، وبادرته؛ لأنه كان شاعرًا حاذقًا صاحب معانٍ وتوليد. وبلغته الأبيات فاعتذر من الحجاب، ولم يجب عنها بحرفٍ موزون تقاية من شر يعلى وقطعًا للسانه.
وسايرت يعلى مرة فأكثر من الاجتياز بمكان لم أكن أعهده يمر به إلا صفحًا، ثم وقف فأنشدني: [من الطويل]
إذا كَلَّلَ الإكليلُ كِلَّةَ ليلةٍ … وأَومض برق بالسراة قليل
فأُسْعِدُ أَنفاسي بنفسي صَبَابةً … إليها وَطورًا بالدموع تسيل
ومَنْ كانَ هذا شأنهُ في دُنُوِّهِ … فكيف تراهُ إِنْ أَلَمَّ رَحِيلُ
فمن عاش حتى يُبْصِرَ البينَ طَرْفُهُ … فلا بشرتْهُ باللقاء قَبُول
ولي رَمَقٌ يا مَلْك فيكِ وَقْفَتُهُ … على طمع لولاه كان يزولُ
وقد آن أن يقضي بحبكِ حَسْرَةً … فهل لي إلى التوديع منك سبيل
ثم عزم علي لتُنشِدَنَّ لنفسك، فأنشدته في الوزن والروي، ولم أكن عملت أوله عليه: [من الطويل]
بنفسيَ مِنْ سُكَانِ صَبْرَةَ واحِدٌ … هوَ الناسُ والباقونَ بَعْدُ فُضُولُ
عزيز له نصفان: ذا في إزارِهِ … سَمين، وهذا في الوشاح هَزِيلُ
مدار كؤوس اللحظ مِنْهُ مُكَحَّلٌ … ومَنْبِتُ وَرْدِ الحُسْنِ مِنهُ أَسِيلُ
فحالت علي حاله ساعةً حتى أدركني عليه الجزع، ثم أفاق خجلًا فأنشدني بديهة: [من الكامل]
ياظبية الأكنافِ مِنْ أَمَدِ … ذِي الأَثْل كيفَ ظَفِرْتِ بالأَسَدِ
لو أنني في النومِ أَرْشُفها … وهَوَى الهَواء بها إلى كبدي
ما كنتُ إلا خائفًا حَذِرًا … مِنْ فَجْعَةِ الأَيَّامِ بالبُعُدِ
فعلمتُ أَنَّ لَهُ خَبَرًا، ثم كشفت عن القصة بعد ذلك، فإذا دار عشيقته هنالك.
وصحبته إلى تلك الناحية، فأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
وما بي أَنْ أَفنى عليك تأسفًا … ولا أَنَّ قَلْبي في هواك يذوب
ولكنني أخشى بهجرك تنقضي … حياتي ومالي مِنْ رِضاكِ نصيب
ويبعد عنِّي حُسْنُ منظرك الذي … به تحسن الدنيا لنا وتطيب
ألا فاحكمي يا مَلْكُ فيمنْ مَلَكْتِهِ … فإنّي أسير في يديكِ غريب
ومما أنشد قوله: [من الكامل]
نَسَجَتْ شُعاعًا بيننا فكأَنَّنا … منها جميعًا تحت ثوبٍ مُذْهَبِ