محلّ الحلي من صدور العقائل، وخيَّم آخرًا في ذرى المعتمد، وكان أصدقهم نوءًا، وأبهرهم في مطالع السؤدد ضوءًا؛ فلما صار إلى المغرب، وحلّ فيه محلّ المضطرب، وغدرت به الأيام غدر خراسان بقتيبة، ووفى له بالرحلة إليه وفاء الظعينة بعتيبة، فلما انفصلت حواشي ظلّه، وأنكره أكثر أهله، وفد عليه أبو بكر وهو في يد تلك المحنة، فنازعه بؤسها، وعاطاه كؤسها، ومدحه للوفاء أحسن مما مدحه للعناء.
ومما أنشد له قوله (١): [من مخلع البسيط]
بَدًا على خَدِّهِ عِذارٌ … في مِثْلِهِ يُعْذَرُ الكَثِيبُ
وليس ذاكَ العِذارُ شَعْرًا … لكنّما سِرُّهُ غَريبُ
لما أراق الدماءَ ظُلْمًا … بَدَتْ على خَدِّهِ الذُّنُوبُ
وهذا كقول عبد الجليل المرسي: [من الوافر]
فَطَوَّقَهُ الزَّمانُ بما جَنَاهُ … وعَلَّق في غَدَائِرِهِ الذُّنُوبا
قلت: وذكرتُ بذكر العذار بيتين كنتُ قلتهما، هما من هذه المادة، وليستا منها قربًا منها وبعدًا عنها، قلتهما قبل أن أقف على شيء من هذا، وألم به، وهما: [من مخلع البسيط]
بعارِضَيهِ بَدَا عِذَارٌ … بِهِ جَميعُ القُلُوبِ تُعْذَرْ
يا قلب كيف الطريق حتى … أَسلُو هَوَاهُ وقَدْ تَعَذَّرْ
عدنا إلى ذكر ابن اللبانة (٢)؛ ومما له قوله: [من البسيط]
كلني إلى أحد الأبناء يُنْعِشُنِي … ما لمْ يَكُنْ منك بحر فليكن نَهَرُ
قد طال بي أقطع البيداءَ مُتَّصِلًا … وليس يسفرُ عَنْ وَجْهِ المُنَى سَفَرُ
كأَنَّما الأرضُ عنّي غير راضيةٍ … فليس لي وَطن منها ولا وَطَرُ
خُذْ بالقليل وما يدري يجودُ بِهِ … يا ماجدًا يَهَبُ الدُّنيا ويعتذر
وقوله (٣): [من البسيط]
ألقاهم والظبى ما دُونَهُمْ فأرى … أَنِّي على صُورٍ في الماءِ أَطَّلِعُ
غاروا على الريح فاستعلت رماحُهُمُ … دونَ المَهَب فما للريح مُتَّسَعُ
لا تُؤْتِ نُصْحَكَ مفتونًا بمذهبه … فما الأعمى بضوء النَّجْمِ مُنْتَفَعُ
(١) شعره ١٦.
(٢) من قصيدة قوامها ٢١ بيتًا في شعره ٤٩ - ٥٠، بعدها بياض بمقدار ٣ أسطر ثم يستمر الكلام.
(٣) من قصيدة قوامها ١٦ بيتًا في شعره ٦٥ - ٦٦.