مجلس غيمُ النَّدِّ فيه صفيق، ومطر الكؤوس في جوه لا يفيق، ونداماه لا يرى إلا شفقًا يقربه بكأسه إلى شقيق، ولديه غدير يتقصف كأنه مرمر، ويتميل كأنه بالنجوم مسمر، والدوح قد أرخى عمائمه الساذج والمثمر، وخاض الماء وذيله مسبل ومشمر في حيز روض لو خير الحسن لما تعدّاه، أو دنا من الجنتين لودّاه، وبروق نوّاره كاد سناها يخطف البصر، وأطابت لؤمه لا يعاب بالقصر، فلما حلّ في كنفه وأقام له الحظ مائل جَنَفِهِ، وقربه منه نَجِيًا لا يمل منه سمرا، ولا يجتني سوى حديثه ثمرا، ثم أقبل يبلغه الوطر، ويمسحُ عِطْفَه بيد ينسي بنائلها المطر، فقال قصيدة منها: [من السريع]
قم فاطلع الشمس بكأس العُقارُ … قد ذهب الليل وجاءَ النهار
حتى إذا ما غَرَبَتْ في فَم … أبرزَ خَدُّ الشَّفَقِ الاحمرار
خمر إذا خامَرَها مَزْجُها … تَبسِمُ عنْ مثل المنايا الصغار
يلتئم الماء بأجزائها … سُبْحانَ مَنْ أَلَّفَ ماءً ونار
قُمْ عاطها أغيد ذا وجْنَةٍ … يُعذَرُ مَنْ يخلع فيه العذار
كأَنَّهُ والكأس في كفّه … بدرُ الدُّجَى قابل شمس النهار
ظَنَنْتُ والخمرة في رِيقِهِ … أَنَّ لها مِنْ وَجْنتيه اعتصار
جاد بما كان ضنينًا به … فانعقد الوِزْرُ وحُلَّ الإزار
ظَبْي مِنَ التَّرْكِ إذا ما رَنَا … قَدْ جَذَبَ القوسَ وَسَلَّ الشَّفار
لهُ عِذار تاه في خَدِّهِ … حتى إذا رندح بالشعر حار
كيف أُرَجِّي كَتْمَ وَجْدِي بِهِ … وحبُّهُ قَدْ هَتَكَ الاستتار
دعْ غَزَلَ الشَّعْرِ فَرَصْفي بهِ … فضل أبي بكر لمثلي شعار
مَلَكٌ إذا ما سار في جَحْفَلٍ … قَدْ أَمَّهُ النَّصْرُ بِهِ حيث سار
تعرفه السمر الطوال التي … طابَقَها بالمرهفات القصار
وردَّها مَخْضُوبَةً بعدما … جِراحُها يُسْمَعُ منها خُوار
إن جادَ بالرِّفْدِ على وافِدٍ … أَعجزَ عَنْ جُودِ يديه البحار
أو كاد أضحت منهُ أَعداؤُهُ … في قبضة الذُّلِّ وهُونِ الصَّغار
قدْ خَصَّهُ اللهُ وشُكرًا له … برفعة البيت وطيب النجار
من طينة الفاروق نجم الهُدَى … أَعْظِمْ بهذا في عَرِيقِ الفَخَارْ
جرى بِهِ طِرْفُ العُلا سابقًا … إلى مدى النَّصْرِ فَقُلْ: لَا عِثارُ
وجدل الأقران بأس لهُ … عَرَاهُمُ الرُّعْب وشط الديار
يا ملكًا لاح لنا وجْهُهُ … كالبدرِ في أُفْقِ السَّنَي والوقار
تَهَنَّ مَثْوًى لم يزلْ غَرْسُهُ … يُجنيك بالنصر أَلَذَّ الثِّمارْ
وانعم بعيش دام في غبطة … دارت به الأفلاك في خير دار