الدهر المتطلّع عنها، وغل الدهر المتضوع منها، ثم ذهب مشكور الأيادي مشهور الفعلات في ماله، والأعادي تبكي عليه حمامة الأيكة وغمامة الوادي، وكان يوصف بكرم لا يعرف من بلاد جاء منها زائرًا، وجَدَّ بها إلى أجله سائرا، وقد كان أوى من صاحب الأندلس إلى ملك لم يزل مسرورًا بجمع المكارم، وقمع المحارم، وتقليد المنن إذا أثقل الأعناق حمل المغارم. دواعيه بدد، ومساعيه مالها عدد. فلما علق بحباله، قال في حاله: [من الطويل]
ورَكْبِ سَرى والعِيس تجذبها الرُّبَى … لها كَبِدٌ يَقْظَى وطَرْفٌ مُهَوّمُ
تراها على الوَعْساء تَعْطُو كأَنَّها … سفين وبحرُ الآلِ ملآنُ مُفْعَمُ
وإِنْ أَدْلَجَتْ ليلًا ظَنَنْتُ الدُّجى فَلًا … وهُنَّ نجوم للشياطين تَرجُم
أقولُ لصحبي حينَ صِرْنا على مِنِّى … بِيَمْنَةِ ذا الوادي أقاموا وخَيموا
لئن كانَ في تلك الممالك مالك … فإنّي على تَتْمِيم حُزْنِي مُتَمِّمُ
بنفسي غَزَالٌ غَازَلَتْني لِحَاظُهُ … ورُبَّ فُتُورٍ عَنْ فُتُونِ يُتَرجِمُ
يطيلُ مَدى الهِجْرَانِ وَهوَ مُقَصِّرٌ … ويقتلُ عَمدًا بالقِلَى وهوَ مُحْرِمُ
إذا ما لوى ريم اللوى بوِصَالِهِ … ولَمْ تَسْلُ نفسي حُبَّهُ فهوَ أَلْوَمُ
أقولُ: لها لا تأسفي ما عاش … ... على أحد فهو الإمام المُقَدَّمُ
هُمَامٌ له رأي إذا شَهِدَ الوَغى … يُصحح معناه الحسام الملثم
إذا جادَ لن يثني ندى عن نَوَالهِ … وإن كاد أثنى الجيش وهوَ عَرَمْرَمُ
ففي راحتيه للسَّماحَةِ دِيمةٌ … وفي مِعْطَفَيهِ لِلشَّجَاعَةِ ضَيْغَمُ
وكمْ مَرِحَتْ فِي مَرْجِ حَيَّانَ خيلُهُ … وخاض بها بحرَ الرَّدَى وهوَ خِضْرِمُ
عَدَتْ ولَها بالطَّعْنِ فِي الكُفْرِ مَيْسَمٌ … وراحت وفي أحقابها الشيءُ مُبْهَمُ
أَيا مَلِكًا ما قامَ شِعْرِي بفرضِهِ … ولو كان لي في كل جارحةٍ فَمُ
ومَنْ لانَ لي مُدْ صِرْتُ في فيءِ ظِلِّهِ … زمانٌ قَسَا فالمغرم اليوم مغنم
رأيتُكَ في دَستِ الإمارَةِ حاكمًا … فقلتُ سليمان بن داودَ يَحْكُمُ
إذا حَضَرَ الْخَصمانِ أَظْهَرْتَ منهما … برَأْيِكَ مَسْتُورًا كَأَنَّكَ تعلم
وحكي لي أنه أتى تونس راغبًا في نعمة أوطانها، طالبًا ذمة سلطانها، فأقام بها لديه مكرمًا، ونزل عليه، فجعل له ربيع نداه على سواه محرّمًا؛ فلما غاب عن أفق إفريقيا، نجم ملكها، ثم عاد يجلي مدلهم حلكها، وأتي يسرّ به الرفيق، وينشر بقدومه التوفيق، فأهز بمقدمه الغريق، واعتذر الدهر تلقائه عن التفريق، وأصبح به الصباح في شَفَةِ الظلام يتبسم، والشمس في ثوب السماء حلوق تتقسم، وظلت تقبل في البيداء آثار ركائبه، وتستقبل من الأنداء مطار سحائبه سرورًا بغائب كان ينتظر، وقادم غاب السرور حتى حضر، ثم لم تحط حقائب سفره، ولا عرفت حقائق ظفره، حتى استدعاه إلى