وابن عمه أبو الوليد.
يفوق منهما كل وحيد، ويفوت العجال سيره الوئيد ناظرًا متمتع، ومسمعًا متطلع.
وكانت نجوم ذلك الحين تحسد اصطحاب فرقديهما، وتعاون يديهما، فتزينت لوامع الأيام منهما بمشرقين، وحنيت بهما على الأنام أضالع الأفقين.
ذكرهما ابن بسام فقال (١): «وأبو الحكم في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ الإحسان قبلةً، وحجة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كلّ قوس من الفخر أَتْرَع، وفي كل أفق من علوّ القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، وأكليلًا على جبين ملك، قلما عن لبصر إلا راقه، ولا اختلج ذكره في قلب بشر إلا شاقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسين ابن السيد البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بما جمع قلبه، عُجْبًا منه وإعجابًا به».
وقال (٢): [من الطويل]
رأى صاحبي عَمْرًا فَكُلَّفَ وصْفَهُ … وحمَّلني مِنْ ذاكَ ما ليس في الطَّوْقِ
فقلتُ لهُ: عَمْرُو كعمرو فقال لي: … صَدَقْتَ ولكن ذاك شبّ عَنِ الطوق
وفيه يقول هو أو الوزير أبو محمد بن عبدون: [من مجزوء الخفيف]
قُلْ لعَمْرِو بنِ مَذْحِج … خابَ ما كنتُ أَرْتَجي
شارب مِنْ زَبَرجَدٌ … ولَمي من بنفسج
فلما هم ليلة نهاره، ودبّ على سيف وجنتيه فِرِنْدُ عِذاره، راع المجد بحزم وكرم، وأسرة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، وأمَّلَ صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بنت شرف، وله شعر مطبوع».
ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل]
أرى الدهر أعطاك التقدُّم في العُلا … وإنْ كانَ قد وافى أخيرًا بك الدهر
لئن حازت الدنيا لك الفضل آخرًا … ففي أُخريات الليل ينبلج الفَجْرُ
وقوله (٤): [من الكامل]
زُرْنِي فَدَيتُكَ يا زعيم الناسِ … لِتَرَى بُدُورًا منْ كبارِ أُناسٍ
يا راضِعًا دَرَّ المَكارِمِ عُجْ بنا … (ما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ) (٥)
(١) الذخيرة ٢/ ٥٨٨.
(٢) الذخيرة ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
(٣) من قصيدة قوامها ١٢ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١.
(٤) من قطعة قوامها ٤ أبيات في الذخيرة ٢/ ٥٩٢.
(٥) صدر بيت لأبي تمام وعجزه:
نقضي ذمام الأربع الأدارس ديوانه ٢/ ٢٤٢.