منه والموجز، نظم أخبار الأمم في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض، وكان في الأندلس سرًّا للإحسان، وفردًا في الزمان، إلا أنه اعتبط عندما به اغتبط، وقد أثبت له مما يشهد له بالإحسان والانطباع، ويثني إليه أعنة الأسماع».
ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط]
هو الهوى وقديمًا كنتُ أَحْذَرُهُ … السُّقْمُ مَوْرِدُهُ والمَوتُ مَصْدَرُهُ
يا لوعةً قَرَّبَتْ مِنْ نَظْرَةٍ أَجَلًا … الآن أعرفُ رُشْدًا كنتُ أُنكِرُهُ
جد مِنَ الشَّوقِ كانَ الهَزْلُ أَوَّلَهُ … أَقَلُّ شيءٍ إِذا فَكَرْتَ أَكثَرُهُ
ولي حبيبٌ دَنَا لولا تَمَنُّعُهُ … وقدْ أقولُ نَأَى لولا تَذَكَّرُه
وقوله (٢): [من الكامل]
النوم بعدَكُمُ عليَّ مُحَرَّمُ … مَنْ ذا ينام وقلبُهُ يَتَضَرَّمُ
أجريتُمُ دَمْعِي دَمًا الفراقِكُمْ … ظُلمًا وقُلْتُمْ ما له لا يكتم
فبِحَقِّكُمْ مَنْ ذا يُعاينُ أَدْمُعِي … تَنْهَلُّ إلا قال: هذا مُغْرَمُ
عاقبتموني في الهوى بذُنُوبِكُمْ … لقدِ اسْتَطَلْتُم إِذْ قَدَرْتُمْ فَارْحَمُوا
وقوله في فتية كان يهواها (٣): [من البسيط]
ركبتُ هَوْلَ الهَوى عَنْ غيرِ تَجْرِبَةٍ … وراكبُ الهَوْلِ مَحْمُولٌ عَلَى العَطَبِ
تركتني يا حياتي للرّدى غَرَضًا … تَفْدِيكَ أُمِّي مِنْ صَرْفِ الرَّدى وأَبِي
أَشْقى بها وهيَ عنِّي في بُلَهْنِيَةٍ … شتّان والله بين الجد واللَّعِبِ
أَصابَتِ القلب لمَّا إِنْ رَمَتْهُ وَلَوْ … رَمَتْهُ أُخْرَى إِذَنْ لَا شَلَّ لَمْ تُصِبِ
فقالت: أشك إليها ما لقيت ولا … تَرْهَبْ فلنْ تُبْلَغَ إلا مالُ بالرَّهَبِ
على هَوَاكَ سَيعْدِيها فيعطِفُها … فقد يكونُ الهَوَى أَعْدَى مِنَ الجَرَبِ
وقوله فيها (٤): [من البسيط]
بِنْتُم فخلَّد عندي وَشْكُ بَينِكُمُ … شَوقًا نفى جَلَدِي لا بَلْ سَبَى خَلَدِي
هيهاتَ يَسْلُو فؤادي عنكمُ أَبدًا … أَنَّى ووَجْدِي بكم باق على الأَبَدِ
أما كفى حَزَنًا أَنْ قَدْ ظَمِئَتُ وقد … عاينتُ عَذْبَ الحَيَا يجري على البَرَدِ
(١) القطعة في الذخيرة ٢/ ٧٣٥.
(٢) من قصيدة قوامها ١٦ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٧٣٨ - ٧٣٩.
(٣) من قصيدة قوامها ٣٣ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٧٣٥ - ٧٣٧.
(٤) من قصيدة قوامها ٣٠ بيتًا في الذخيرة ٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨.