للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكتابة، وعلم التاريخ، وتأليف الأخبار».

ومما أنشد له قوله (١): [من الطويل]

إذا ما ابن شهر قد لَبِسْنا شَبَابَهُ … بَدَا آخر من جانب الأُفْقِ يَطْلُعُ

إلى أَنْ أَقرَّتْ جِيْزَةُ النيل أعينا … كما قرَّ عينًا طاعن حين يرجع

يقودُ عِتاقَ الأعوجيةِ شُرَّبًا … تمرُّ كما مرَّ السَّحابُ المُقَرَّعُ

من عفرةٌ صُفْرٌ كأَنَّ جلودها … تُعَلُّ بماء التبر بل هي أنصعُ

وورد كتوريد الحُدودِ مَلاحَةً … وشُهْبٌ كأمثال الدراري لُمَّعُ

وبُلْقٌ شهيراتٌ كأَنَّ مُتُونَها … يُزَرُّ عليها العَبْقَرِيُّ المُصَنِّعُ

وشُقْرٌ صَفَتْ ألوانها فكأَنَّها … تُعارُ صَفاءَ الرَّاحِ حينَ تُشَعْشَعُ

ودهم كجنح الليل في جَنَبَاتِها … تَبَاشِيرُ صُبح أو كواكب تَلْمَعُ

وكمت كلون الصِّرْفِ يختالُ بينَها … أَغَرُّ ضَبَابِيٌّ ونَهْدٌ مُجَنَّعُ

وحو كريماتٌ أَبُوهُنَّ أَحْدَرُ … كما عَنَّ أَسرابٌ منَ العِينِ رُبَّعُ

شباب كنُوَّار الربيع مُضاحِكًا … لشمسِ الضُّحى والروضُ رَيَّانُ مُمْرِعُ

ويا ما اشرأبت في الأعنَّةِ عزّةً … كما تشريبُ العُفْرُ ساعةَ تُفْزِعُ

وقوله (٢): [من البسيط]

إذا أَرْجَحَنَّتْ بما تحوي مآزرها … وخفَّ مِنْ فوقها خَصْرُ ومُنْتَطَقُ

ثنى الصبا غُصنًا قد غازلته صَبًا … على كثيبٍ لَهُ مِنْ ديمةٍ لَشَقُ

للشمس ما سترت عنا محاجرها … وللغزال احورار العين والعُنُقُ

مظلومةٌ أَنْ يُقال: البدرُ يُشبِهُها … والبَدْرُ يَظْلَمُ أَحيانًا ويَنْمَحِقُ

يجلّل المتن وَحْفٌ مِنْ ذَوائبها … جبينها تحت داجي لَيْلِهِ فَلَقُ

لأنها روضة زهراء حاليةٌ … بنَوْرِها يَرْتعِي فِي حُسْنها الحَدَقُ

لولا ذكر الحدق في هذا البيت يجلبه من نصف القصيدة بل هي فوق ذلك حسنًا وملاحة، وإيجازًا وفصاحة، وليس في ألفاظ الكتابة العذبة مثل ما أتى به، ولا مستزاد عليه، ألا ترى كيف تانق فأعرب، ونمق فأعجب.

ومن أعجب ما سمعته له قوله - أول نسيب قصيدة - يمدح محمد بن أبي العرب الكاتب: [من الطويل]


(١) القطعة في انموذج الزمان ٥٤ - ٥٥.
(٢) القطعة وما يليها من تعليق في انموذج الزمان ٥٥ - ٥٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>