للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القلوب، وتشف مدامه في كل كوب.

وقال ابن رشيق (١): «أصله من مدينة الأربس، وتأدبه بالقيروان، وكان مليح الكلام، حسن النظام، لألفاظه حلاوة، وعليها طلاوة، يذهب إلى الفلسفة في شعره، ويغرب في عباراته، وربما تكلّف قليلًا، وكاتب له وفور من الخط والترسل، وعلم الطب والهيأة.

واجتمعت به مرّةً - وأنا حدث السن، ولم أكن قبلها رأيته - فأخذ في ذكر الشعراء، وغضّ من عبد الكريم، وقال: هو مؤلّف كلام غير مخترع، فأغلظت له في الجواب، فالتفت إلي منكرًا عليّ، وقال: وأنت وما داخلك بين الشيوخ يا بني.

فقلت: ومن يكون الشيخ أبقاه الله؟

فعرفني بنفسه، ثم أخرج رقعة بخطه فيها من شعره (٢): [من البسيط]

إياة شمس حَوَاها جسمُ لؤلؤة … تغيب مِنْ لُطف فيها ولم تَغِبِ

صفراء مثل النضارِ السَّكْبِ لابسَةٌ … دِرعًا مُكلةٌ دُرًّا مِنَ الحَبَبِ

لم يترك الدهر منها غير رائحة … تضوَّعتْ وَسَنِّى يَنْسَاحُ اللَّهَبِ

إذا النديم تلقاها ليشربها … صاغتْ لَهُ الرَّاحَ أَطرافًا مِنَ الذَّهَبِ

فقال: كيف رأيت،

فقلت - وأردت الاشتطاط عليه: أما البيت الأول فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر.

قال: وكيف ذلك،

قلتُ: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام (٣): [من الكامل]

أَوْ دَرَةٌ بيضاءُ بِكْرُ أَطْبَقَتْ … حَبْلًا على ياقوتةٍ حَمْراءِ

لكان أتمّ تصنيعًا، وأحسن ترصيعًا، ولو ذكرت روح الخمر مع ذكرك حبّ اللؤلؤ - يعني الكأس -، لكان أوفق للمعنى، ولو قلت مع قولك:

إياة شمس حواها نهار … . . . . . . . . . . . .

وعنيت به الكأس.


توفي بمصر سنة ٤١٨ هـ وقد أربى على الستين.
ترجمته في: معجم البلدان ١/ ١٨٤ مادة (الأريس)، ٣/ ٣٦٦، معجم الأدباء ١٨/ ١٠٥ - ١٠٦، غرائب التنبيهات ٧٤، طراز المجالس ١٥٣، انموذج الزمان ٣٤٠ - ٣٤٦.
(١) انموذج الزمان ٣٤٠.
(٢) القطعة في انموذج الزمان ٣٤٠.
(٣) ديوان أبي تمام بشرح التبريزي ١/ ٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>