إثباته، نوّه قدر أشبيلية وأطار ذكرها، واجم في وصفها القرائح وقدح فكرها، وجلاها عروسًا، وأذاب شمس عصرها في جوانب النهر كؤوسًا.
وقال ابن بسام فيه (١): أحد من راش سهام الألفاظ بالسحر الحلال، وشق كمائم المعاني عن أفتن من محاسن ربات الحجال، بين طبع أرق من الهواء، وأعذب من الماء، وعلم أعود من القطر، وأوسع من الدهر، إذا ذُوكر شعرًا ظن أنه صانعه، أو ديوانًا توهم أنه مؤلفه وجامعه، وإني لأعجب من قوم من أهل أفقنا لم يعرفوه، ولم يُنصفوه، وهيهات فضله أشهر، وإحسانه أكثر، ولو تأملوا له من قصيدة في ابن عباد قوله (٢): [من الخفيف]
بكَرَتْ سُحْرَةً قُبَيْلَ الذَّهَابِ … تنفضُ المسكَ عَنْ جَناحِ الغُرَابِ
وقوله على أنها من غثا غثاثاته (٣): [من المجتث]
علي أَنْ أَتَذَلَّلَ لهُ … وأَنْ يَتَدَلَّلْ
خَذْ كأَنَّ الثُرَيَّا … عليهِ قُرْطٌ مُسلسل
لعلموا أنه رأس الصناعة، وإمام الجماعة».
ثم ذكر منازعة كانت بينه وبين ابن زيدون، ثم قال (٤): «ولم يزل أبو الوليد يُطرق ويَحْلم، وابن حصن يَعْثُر ويقدم ففاز ابن زيدون بحلمه وتوقره، وهوى نجم ابن حصن باغتراره وتهوّره، فزلت قدمه، وطاح دمه، وعند الله تجتمع الخصوم، وإليه ينتهي الظالم والمظلوم».
ومما أنشد له قوله (٥): [من المجتث]
وربَّ شُعْلَةِ نارٍ … شَفَيتُ منها أواري
أليس ذاك عجيبًا … يُطفى الغليل بنار
كأَنَّما عُصرتْ مِنْ … شَقائق الجُلنار
إذا بدَتْ لكَ في قِطْ … عَةٍ مِنَ البُلار
حَسِبْتُها شَفَقًا صُبَّ … في زُجاج نار
= ترجمته في: رايات المبرزين ص ٣٩، وبغية الملتمس ص ٣١٤، وجذوة المقتبس ص ٣٩٥، والذخيرة ٢/ ١٥٨ - ١٨٦، والبيان المغرب ١/ ٢٤٥، ونفح الطيب في صفحات مختلفة، راجع: الفهرس، المرقصات والمطربات ٣١٠.
(١) الذخيرة ٢/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٢) البيت في الذخيرة ٢/ ١٥٩.
(٣) البيتان في الذخيرة ٢/ ١٥٩.
(٤) الذخيرة ٢/ ١٦٠.
(٥) القطعة في الذخيرة ٢/ ١٦١.