إلا أن الرأي الأول هو ظاهر مذهب الحنابلة كما ذكرت؛ لأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا أعلم وكيله بعفوه، والأصل عدم العفو فلا يؤثر (١).
وقال الشافعية: يصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف كسائر الحقوق المالية، بل قد يجب التوكيل في حد القذف، وكذا في حد قطع الطريق، سواء في حضرة الموكل أو في غيبته.
ويصح التوكيل أيضاً للإمام في استيفاء حدود الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ بعث أنيساً لإقامة الحد، وقال:«واغد ياأنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» وقال ﵊ في قصة ماعز: «اذهبوا به فارجموه» ووكل عثمان ﵁ علياً كرم الله وجهه ليقيم حد الشرب على الوليد بن عقبة (٢). جاء في البخاري أنه ﷺ وكل في رجم من ثبت زناه. وجلد من ثبت شربه المسكر.
والخلاصة: إن المالكية والشافعية والحنابلة يجيزون استيفاء الحدود والقصاص مع غيبة الخصم، أما الحنفية: فلا يجيزون ذلك إلا بحضور الخصم.
ولا يجوز التوكيل في المعصية أو المحرَّم كالظهار، فلا يوكل من يظاهر عنه زوجته؛ لأنه منكر ومعصية (٣). ولا يصح التوكيل في غصب شيء أو سرقته أو ارتكاب جناية؛ لأن حكم المعاصي أو المحرمات مختص بمرتكبها، فيسأل عنها بذاته دون غيره.