سعيد، أبو الوليد فخر الدين الكناني الشاطبي. عُرف بابن الجنان.
ونسبه في «مجاني الهصر» المرسي، خص من بني العديم بكمال، وظفر بكل مال، قدم عليهم قدم المنى، وحلّ لديهم حلول الغنى، وجاء والسعد يحدوه، والحظ لا يعدوه، والقبول يوطئ له الكنف، ويوطد له الجنف، فنزل بيتهم الرفيع، وحصل بسيبهم في زمن الربيع، وحفظ بسببهم نسب أدبه وقد أوشك أن يضيع.
ذكر ابن اليونيني (١): أن مولده بشاطبة وأثنى عليه والناس قاطبة ووصفه بكرم الخلائق، وما لم يُرم مما هو به لائق. كان مالكي المذهب فلم يزل به بر بني العديم إلى أن أنساه حتى مذهبه وأسلاه عن كل ما فات إلا زمانًا عند غيرهم أذهبه، فتبعهم حتى في التمذهب للإمام أبي حنيفة والاهتمام في تحصيله بالهمة العنيفة، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفية بدمشق مدة عم الطلبة نفعها، وعرف به وترها وبره يشفعها، وكانت له يد في علوم كثيرة، وعلو مراتب في فضائل أثيرة.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان وقال: كان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وكان لطيف المزاج، أديبًا فاضلًا، وشعره حسن، وكان بدمشق، وبها توفي. وقع من علو فمات.
ومما أنشد له قوله (٢): [من الكامل]
نَشْرُ النَّسيمِ بِعَرْفكُمْ يتعرَّفُ … وأَخو الغرام بحبكم يتشرف
شرف المتيم في هَواكُمْ أَنَّهُ … طورًا ينوح وتارة يتلهف
صب إذا كتمَ المَشُوقُ دُموعَهُ … كَتَمَتْ محاجرهُ الدُّمُوعُ النُّرَّفُ
لَطُفَتْ معانيه فهبَّ معَ الصَّبا … فرقيبُهُ بهبوبه لا يعرفُ
ولأنه تَغْدُو النسيم دياركم … وله على تلك الديار توقف
وأما ما له سوى هذا فكثير، فمما أورده ابن اليونيني له (٣): [من المتقارب]
ودوح بدت معجزات لهُ … تَبينُ عليه وتدعو إليه
جرى النهر حتى سقى أَرْضَهُ … وقام فقبَّلَ شُكرًا يَدَيْهِ
وكف الصبا ضيَّعَتْ حِليَهُ … فقامَ الحَمامُ يُنادي عليه
كساه الأصيل ثياب الضَّني … فحل طبيب الدياجي لديه
وجاءَ النسيم له عائدًا … فقامَ لهُ لائمًا مِعْطَفَيهِ
وقوله (٤): [من الكامل]
لله قوم يعشقون ذوي اللحى … لا يسألون عن السوادِ المُقبل
وبِمُهْجَتِي نفر وإنّي منهم … جُبلوا على حُبِّ الطراز الأَوَّلِ
(١) ذل مرآة الزمان ٣/ ١٩٧.
(٢) ذل مرآة الزمان ٣/ ٢٠١.
(٣) ذل مرآة الزمان ٣/ ١٩٨.
(٤) ذيل مرآة الزمان ٣/ ١٩٨.