للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبله، ولا وكف إلا وود البحر أنه فضله. جدَّ فوجد، وحام فورد، وحلق فبلغ لما اجتهد.

وقال ابن بسام، وقد ذكره: فصل في ذكر الفقيه أبي أيوب وأبيات جملة من نظمه ونثره اللذين عطلا الدرَّ في النحور لا في البحور، وأخجلا الزهر في الكمام، والمدام في أيدي الندام، وهو في وقتنا هذا بحر الأدب وساحله، وسنام الغرب وكاهله، وسنان المجد وعامله، ورافع لواء الحمد وحامله، ودارت دولة المعتمد على أبيه مدار مذهب المدينة على مالك، وكانت ترجع إليه رجوع الحساب إلى فدلك، ونشأ ابنه الوزير أبو أيوب، والخطابة يجنُّ به جنونها، والكتابة تمدُّ إليه شمالها ويمينها، فنظر إليها بمؤخر عين، لا يروي إلا بلحظ كتاب، أو خطة محراب، وأرعاها جانب سمع لا يأنس إلا بدعوة مستقيل، أو نعمة مستنيل، حتى انجابت لم يحل لها حباه ولا صرف فيها رأيه ولا هواه، وقد أثبتت مما وجدت له ما يملأ الأسماع، ويرهف الطباع، ويجاوز حد الإجادة والإبداع.

ثم ذكر شيئًا من شعره وقال: وهذه نبذة تظهر للقريب الغريب، اختلستها خلسة الذئب، واحتملت فيها منه مضض اللوم والتثريب، لانتفائه جملةً عن الإقرار بالأشعار، واعتلائه عن الخطو في ذلك المضمار، اللهم إلا ما يجيء به عفوًا واسترسالًا، ويدب على لسانه نمالًا أو سحرًا حلالا.

وأنشد له قوله: [من الوافر]

هَفَوْتُ وأينا يعصي هَوَاهُ … إِذا نَصَّتْ سوالفها الظباء

فَدَعْ لَوْمي فبعضُ الغَيّ رُشْد … حيائي أنْ يفارقني الحَيَاء

وقوله: [من البسيط]

أَمِسْكُ دَارِينَ حَيَّاكَ النَّسِيم بِهِ … أَمْ عَنْبَرُ الشَّحْرِ أَمْ هذي البساتين

بشاطيء النهر حيثُ النَّورُ مُؤْتَلِفٌ … والراحُ يَعْبَقُ أَمْ تَلكَ الرَّياحِينُ

وقال ابن بسام - أعقاب ما أنشد له من النظام: انتهى ما اختطفته من هذه البدائع الروائع، وإذ قد أعوز افتتاحها، واستمر مع الأيام انتياحها، فليعقبها بما قد أشبهها كثرة طائل، وشرف قائل، مما قد استفدته فأجدته من كلام الوزير أبي الحسين القرشي العامري، الذي هو عقلة المستوفز، وفرصة المنتهز، وتحفة الغلام المبرز، وذلك قطعة شعر بل نفثة سحر، تتعلق ببعض ما أنشدت، وبه أشرت.


= أهل العلم والنظر. توفي سنة ٣٧٧ هـ.
ترجمته في: الوافي بالوفيات ١٥/ ٣٥٤ رقم ٥٠٠، تاريخ العلماء ١/ ٢٢٢ رقم ٥٦٦، بغية الملتمس ٢٨٥ رقم ٧٦٦، جذوة المقتبس ٢٢٤ رقم ٤٥١، تاريخ علماء الأندلس ١/ ١٨٨ رقم ٥٦٦، تاريخ الإسلام (السنوات ٣٥١ - ٣٨٠ هـ) ص ٦١٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>