قمر تنافست الجوانح في الصّبا … في حُبِّهِ ليفوز عند عِناقِهِ
في خَدِّهِ ورد تفتَحَ نَورُهُ … أَلحاظُهُ منعتهُ مِنْ عُشَاقِهِ
عَرَضَ الوِصالَ وَضَلَّ يُعرِضُ دونَهُ … وتَخَلَّقَ المعشق من أخلاقه
وغدا محاق البدر موعد بينه … ورحيلِهِ فَمُحِقْتُ قبل مُحاقِهِ
وقوله (١): [من البسيط]
مُجْرِي جُفُوني دِماءً وهوَ ناظِرُها … ومُتْلِفُ القلب وجدًا وهو يرتعُه
إذا بدا خال دمعي دون رؤيتِهِ … يَغَارُ مِنِّي عليه فهوَ يُرْقتُهُ
قلبي الوفي وجسمي لا وفاء له … ما مَنْ أَقامَ كَمَنْ قَدْ سارَ يتبعُهُ
إن كانَ حَجَّبَهُ بقيًا عليهِ فَلِمْ … أَطاقَ حِينَ نأى عنه يُشيعُهُ
لو أنهُ ذَابَ سُقْمًا يومَ رِحْلَتِهِ … كانَ الوفاء له في الحب أجمعُهُ
وقوله (٢): [من الكامل]
ليت الفِراقَ غَدَاةَ أَوْرَدَ أَصْدَرا … بلْ لَوْ تَلَوَّمَ ساعةً وتصبرا
لما وقفتُ ودمع عيني واقفُ … في مُقلتي حتى إذا ارتحلوا جَرَى
وله في ذم الزمان (٣): [من البسيط]
أَعْدَى إلى الحُرِّ مِنْ أَعْدَائِهِ الزَّمَنُ … حَظِّ المهذّبِ مِنْ أَيامِهِ المِحَنُ
مكابدًا فيهِ ألوانًا يزولُ لها … صبرُ الجَلِيدِ وَيَجْفُو جَفْنَهُ الوَسَنُ
يَبْيَضُ مِنْ هَوْلِهَا رَأْسُ الرضيع أسى … ويغتدي أسودًا في ضَرْعِهِ اللَّبَنُ
وقوله (٤): [من السريع]
خَطَّتْ يَدُ الحُسْنِ على خدِّهِ … لامًا مِنَ المِسْكِ شديد السواد
حتى إذا جاء إلى نصفِهِ … وهَمَّ أَنْ يَزْدَادَ جَنَّ المداد
فَحُقَّ لي فيهِ لِباسُ الضَّنَى … وقل لي فيه لباس الحداد
قال ابن رشيق (٥): «هذه إشارة طريفة ظريفة خفيّة خفيفة. ولما قال: «جف المداد» دلّ على انقطاع الخط، وخفاء منتهاه، فاستحق عند نفسه لذلك لبس الضنى مشاكلة، وقال: «لباس الحداد» لما بينهما من المزية».
وقريب من هذه الإشارة قولي (٦): [من السريع]
(١) القطعة في انموذج الزمان ١١٩، بيتان منها في المرقصات والمطربات ٣١٧.
(٢) البيتان في انموذج الزمان ١١٩.
(٣) القطعة في انموذج الزمان ١١٩.
(٤) القطعة في انموذج الزمان ١٢٠.
(٥) انموذج الزمان ١٢٠.
(٦) البيتان في انموذج الزمان ١٢٠، وديوان ابن رشيق ١٦٦.