وقال: قال له بعض إخوانه: إنهم يزعمون أنك أبله،
فقال: هم البله، هل أنا أبله في صناعتي؟!
قال: لا،
قال: فما على الصانع أن لا يكون نساجًا؟
قال ابن رشيق: ولعمري ما هذا بله، ولقد أصاب ثغره الصواب».
وقال (١): «حدثني بعض الكتاب أنه بينا كُتَّاب الخراج يتذاكرون الشعر والبديهة، وعبد الكريم حاضر، إذ دبَّت دباة فأراد بعضُهم امتحان بعض بوصفها، فقال عبد الكريم: أما أنا فرجل فكري يُقصد، فبدر يعلى بن إبراهيم بن عبد الخالق - وكان أصغرهم سنًا - فجعلها بين أصبعيه واستمد من ساعته وكتب (٢): [من الطويل]
وخيفانة صفراء مُسودَّةِ القَرَا … أَتتك بلون أسود فوق أصفر
وأجنحة قد ألحقتها كرُدْنَةٍ … تقاصر عن أثناء بردٍ مُحبّر
فدهش جميع من حضر، وكان له الفلج والظفر».
ومما أنشد لعبد الكريم قوله (٣): [من الطويل]
هَنَتْكَ أَميرَ الجُودِ خير هديةٍ … تقدّمها الإيمان واليمن والفخر
بيوم تسامى فيهِ وَرْدٌ مُسَوَّمٌ … وأَشْقَرُ يَعْبُوبٌ وسابِحَةٌ حِجْرُ
ودهم كأَنَّ الليل ألقى رداءَهُ … عليهِ فمرفوع النواحي ومُنْجَر
وقبلها ضوء الصباح كَرَامَةً … فهنَّ إلى التحجيل مرثومةٌ غُر
وبلقٌ تَقَاسَمْنَ الدُّجُنَّةَ والضُّحى … فَمِنْ هذهِ شَطْرُ ومِنْ هَذِهِ شَطْرُ
مُجَرَّعَةٌ غُرَّ كأَنَّ جُلُودَها … تجزّعَ فيها اللؤلؤ الرَّطْبُ والشَّذْرُ
وصفر كأَنَّ الزعفران خضابها … وإلاّ فَمِنْ ماءِ العَقِيقِ لها قِشْرُ
وشهب من اللج أستعيرتْ مُتُونُها … ومِنْ صُوَرِ الأَقمارِ أَوْجُهُهَا قُمْرُ
إذا هنَّها مَشْيُ العِرَضَنْةِ عارضت … قدودَ العَذَارَى هنَّ أَعطافها السُّكْرُ
عليها السروج المحكماتُ إذا مَشَتْ … بها الخُيَلَاءَ الخيلُ رَنَّحها كِبْرُ
ووصف البخاتي، فقال: وجاء بالبديع كله، وأدق الصنيع وأجله (٤): [من الطويل]
ومن خير بختيات كسرى بن هرمز … فوالج يزهيها التأود والخَطرُ
سَفَائِنُ أَوْ صِيْغَ السَّفِينُ مِثالَها … فلمْ يَبْقَ إِلا أَنْ يَموج بها بَحْرُ
(١) انموذج الزمان ١٤١.
(٢) البيتان في انموذج الزمان ١٤١.
(٣) القصيدة في انموذج الزمان ١٤٢.
(٤) القطعة في انموذج الزمان ١٤٢ - ١٤٣.