للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطُّرَف، وكان يتزيا بزي الفرسان، ويبدو له في الشجاعة إحسان، بتهمة لا تطيع السيوف على مضائها، ولا تطمع البروق في اقتضائها، ولم يزل ملجأ الغيران، ومنجى الحيران، ومأوى المنتاب، ومزيل شك المرتاب. من بيت مرتفع الذرى، متسع القرى، يعم نائله الجيران، ويدعو الوفود كرمه بألسن النيران. ما منهم إلا مرهف بيض، ومصرف وميض، شتار الظفر من أسنة المران، وسبح في الدجى في سيفه القمران.

ذكره ابن بسام وقال (١): «كان أبو عبد الله بن شرف بالقيروان، من فرسان هذا الشان، أحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصواب، وتلاعب الرياح بالمنثور والموزون تلاعب الرياح بأعطاف الغصون، وبينه وبين أبي علي بن رشيق ماج بحر البراعة ودام، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام، وذهبا من المناقضة مذهبًا تنازعاه شرًا طويلًا، واحتملاه - إن لم يسمح الله - وزرًا ثقيلًا، وكان أبو علي أوسعهما نفسًا، وأقربهما ملتمسًا، وسال بابن شرف سيل فتنة القيروان اللاعب بأحرارها، المعفي على آثارها، فتردَّد على ملوك الطوائف، بعد مقارعة أهوال، ومباشرة خطوب طوال، وقد نبت شفرته، وطفيت جمرته، وانتحى منحى القسطلي في شكوى الزمن، والحديث عن الفتن. وكان معه كمن تصدّى للرياح بجناح، وقابل الصباح بمصباح، واستقر آخرًا عند المأمون بن ذي النون، فعليه خلع آخر لبوسه، ونفض بقية كيسه.

وكانت لعباد همة في اصطحاب الأحرار، واستجلاب ذوي الأخطار، حتى إذا عشوا إلى سرجه، واغتروا بزبرجه، سامهم ردّ أبي قبيس على أبيه وأخذهم بالسعاية بين الفرقد وأخيه. فمن أعياه منهم ركوب الصعاب، وعضه التقلب بين المضائق والرحاب، عزه في الخطاب، وأطاع به سلطان الارتياب: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ (٢). وكان ابن شرف هذا ممن فهم منحاه، وصم عن رقاه، فلم يجتمع معه في صعيد، ولا سلم عليه من بعيد.

ولا بن شرف عدة تواليف، أفاضها بحارا، وأطلعها شموسًا وأقمارا، وقد أثبت له ما يشهد بذكائه، ويُغني عن إطرائه».

ومما أنشد له قوله مما كتبته إلى عباد (٣): [من البسيط]

لئن تصيّدت غيري صيد طائرة … أوسعتها الحب حتى ضمها القَفَصُ

حَسِبْتَنِي فُرْصَةً أُخرى ظَفِرتَ بها … هيهات ما كُلُّ حين تمكن الفُرَصُ


(١) الذخيرة ٤/ ١٦٩ - ١٧١.
(٢) سورة النحل: الآية ٥٩.
(٣) من قطعة قوامها ٦ أبيات في الذخيرة ٤/ ١٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>