للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَمَا تَرَى الشَّمس وهي [طالعة] … تمنع عنها إدامة النظر

حمراء صفراء في تلوّنها … كأنها تشتكي من الشهر

مثل عروس غَدَاةَ ليلتُها … تُمسك مرآتها مِنَ القَمَرِ»

قال ابن بسام (١): ومن نوادر الآفاق الحلوة المساق الغريبة الاتفاق، خبر البجلي مع المعتمد بن عباد؛ وذلك أنه مشت يومًا بين يديه بعض نسائه، في غلالة لا تكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تخفى إياةَ الشمس في مُدْلِهِمّها، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه فامتزج الكل لينًا واسترسالًا، وتشابه طيبًا وجمالًا، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومالت بعطفيه راح الأدب، فقال: [من الكامل]

وهَوَيتُ سالبة النفوسِ غَرِيرةً … تختالُ بينَ أَسِنَّةٍ وَبَوَاتِرٍ

ثم تعذر عليه المقال، وشغلته تلك الحال، فقال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر إلى البجلي وخذه بإجازة هذا البيت، ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأضاف الأول إليه، وألحق هذه الأبيات عليه (٢):

راقتْ مَحَاسِنُها وراقَ أَدِيمُها … فتكادُ تُبْصِرُ باطنًا مِنْ ظاهر

وتمايلت كالغُصْن أورقَ في النَّقَا … والتَفَّ في وَرَقِ الشباب الناضر

يَنْدَى بماءِ الوَرْدِ مُسْبَلُ شَعْرِها … كالطَّلِّ يَسقُطُ مِنْ جَناح الطائر

تُزْهى برونَقِها وحُسْنِ جَمَالِها … زَهْوَ المؤيَّد بالثناء العاطر

مَلِكُ تَضَاءَلَتِ المُلوكُ القَدْرِهِ … وَعَنَا لَهُ صَرْفُ الزَّمانِ الجائر

وإذا لَمَحْتَ جَبينه ويمينَهُ … أَبصرت بدرًا فوق بحر زاخر

فلما قرأها المعتمد، استحضره، وقال له: أحسنت! أَوَ مَعَنا كنتَ؟ فأجابه البجلي بكلام معناه: يا قاتل المحل، أَوَ ما تلوتَ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٣).

وله: [من الرجز]

وأَجْدَلٍ أَقلقَهُ طُولُ القَرَمْ

قَحَمْتُهُ بينَ الكَراكي فاقْتَحَمْ

وعاد للكف وما شَكَا أَلَمْ

يَمْسَحُ مِنْقارًا عَلاهُ منهُ دَمْ

ككاتب يمسح حبرًا مِنْ قَلَمْ


(١) الذخيرة ٢/ ٨١٠ - ٨١١.
(٢) القطعة في الذخيرة ٢/ ٨١٠ - ٨١١، منها ٤ أبيات في المرقصات والمطربات ٣١٣.
(٣) سورة النحل: الآية ٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>