«لا نعمة على المرء أسنى من لسان مبين يعبر عن نفسه، ويكشف عن حقيقة ذاته قال علي ﵁: «قيمةُ كُلِّ امرئٍ ما يحسن»، وقال:«المرء مخبوء تحت لسانه»، ولذلك كانت الملوك تعدل ببنيها عن التنعم إلى شظف العيش، وتدني مجالسهم من البادية، وتبوّئهم منازل الفصاحة لتتحد أفئدتهم، وتمتد ألسنتهم، ولينسابوا في لصاب الدهناء، ومزاحف النكراء، فيجيدوا الحرَّ، ويطبقوا المفصل، وييؤسسوا النوب، ويكبوا الخصوم، ويخرجوا من الغماء، ويمضوا قدمًا في الشنعاء، كما قال عمرو لمعاوية:[من الطويل]
فإن تُعطني مِصرًا فأَربُخُ بصُفْقةٍ … أُخذتُ بها شيخًا يضُرُّ وينفَعُ
وإن امرءًا يقابلُ ابنَ هندٍ بهذا لهو المفاض قميص الأدب، طويل نجاد المعرفة، مؤفٍّ على ذروة الفضل».
ومنه قوله (١):
«واصل الجهاد، واستأصل الكفر والعناد، واتخذ ظهر الجواد بيتًا، وظل اللواء كمينًا … . يمشي في الهجير، ويسري في الزمهرير».
ومنه قوله (٢):
وهو:«قد يخلف الغمام، ويغدر اللئام، وتقطع الأرحام من عزّ بزّ، ومن ريش طار، ومن سارت به الأيام سار، وعلى الجدَّ المدار، جدّ كبا وحسام نبا، وآمال تفَرَّقت أيدي سبا … . تعاطينا كأس الشكوى، وتجاذبنا حبل البلوى، والزمان غَرَّ، وحواصلنا صفر، نترنم ترنم الحمّام، على زُرْق الجُمام … . وامتبطيت ظهر الجوزاء، وافترشت لُبدة العواء، وكلّما دُعيت إلى النزال والعراك، تترست بالثريا وطعنت بالشمالك، فكان أول حيصتك عن الوفاء، وحيدتك عن رعاية الإخاء، أن تركت المخاطبة، وأضربت عن المكاتبة».
ثم قلت: حمل أحسن الظنّ أجمل، قد تشغل الرؤساء، وتجاذب العظماء، وعينه مع ذلك راعية، وأذنه واعية، وإنما الوصل بالفؤاد لا بالمداد.
ومنه قوله (٣):
«وضح الصبح لذي عينين، وأمكن البطش لذي يدين، هذا حبيبك قائد أعنتها،