حطم أضالعه، وحرم الجفاف مدامعه، وأبلاه بالاغتراب، وألقاه بموماة نائية الاقتراب، ثم تركه سائرًا يتجوّل، وسائلًا كُلّ أرض إلى أين يتحوّل، إلى أن أقام بسر قسطة محسنًا إليه ولاتها، غير مرخص في قيمة غلاتها، أقام يعلم اللغة والنسب، ويُعيد نَدِيَّ أندية العرب، ويُعرّف في هذا كيف انشق، وفي هذا كيف انشعب.
وقد ذكر [هـ] ابن بسام في أهل الجزيرة (١): ثم ذكره فقال: كان «بهجة أرضها وسمائها، وأسوة كتابها وشعرائها، أحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره، وكانت الشام والعراق أدنى خطى ذكره تراخت أيامه، وأغضى عنه حمامه».
ثم قال: وأنا أقول (٢): «إنَّ من ذكره لم يوفه حقه، ولا أعطاه وفقه، ولا استوفى تقدمه وسبقه».
وقال ابن حيان (٣): «هو سباق حلبة الشعراء العامريين، وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين».
وقال أبو منصور الثعالبي في اليتمية (٤): بلغني أن أبا عمر القسطلي كان عندهم بالأندلس كالمتنبي بالشام، وهو أحد شعرائهم الفحول هنالك.
قلت: وأنشد ابن سعيد له من شعره، قوله (٥): [من الكامل]
ومعاقلٍ مِنْ سَوْسَن قَدْ شَيَّدَتْ … أَيدي الربيع بناءها فوقَ القُضُبْ
شُرُفاتُها من فِضَّةٍ وحُماتُها … حول الأمير لهم سيوفٌ مِنْ ذَهَبْ
ومن شعره قوله (٦): [من الطويل]
وأكدها عَهْدٌ لأكرم مَنْ وَفَى … بعهْدٍ زَكَتْ مِنهُ عُهودٌ وأَيمان
وما حاكمت فيه السُّيوف وحازَهُ … إليكَ أبو الأملاكِ جَدُّكَ مروان
وقدْ لَمَعَتْ حَوْلَيكَ ثَمَّ أَسِنَّةٌ … تُخيّلُ أَنَّ الحَزْنَ والسَّهْلَ نيران
= طبيعة الحروب في الأندلس مع الأعداء تقتضي ذلك، وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة الشعراء المجيدين والعلماء المتقدمين، كان يجيد ما ينظم ويقول، له «ديوان شعر» حققه الدكتور محمود علي مكي، ط دمشق ١٩٦١، وأورد ابن بسام في الذخيرة نماذج من رسائله وفيضًا من شعره. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣١٥ رقم ٢٢٩، والذخيرة ١/ ٥٩ - ١٠٢، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٧٢، البيان المغرب ٢/ ٦٠، المطرب ١٥٦، نفح الطيب أجزاء متفرقة (انظر الفهرس)، والشذرات ٣/ ٢١٧ وابن خلكان ١/ ٤٢ وبغية الملتمس ١٤٧ والصلة ٤٢ وصفة جزيرة الأندلس ١٦٠ وجذوة المقتبس ١٠٢ - ١٠٦ ويتيمة الدهر ٢/ ١٠٣ - ١١٦، الأعلام ١/ ٢١١، معجم الشعراء للجبوري ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(١) الذخيرة ١/ ٦٠.
(٢) الذخيرة ١/ ٦١.
(٣) الذخيرة ١/ ٦٠
(٤) يتيمة الدهر ٢/ ١٠٣
(٥) البيتان في المرقصات والمطربات ٢٩٧
(٦) من قصيدة قوامها ١٨ بيتًا في الذخيرة ١/ ٧٠ - ٧١.