في المسألة السابقة غائبا غيبة بعيدة لا يعذر له فيها لزم المقر بيمين أو بينة أنه لفلان الغائب أودعه عنده أو رهنه، فإذا حلف أو أتى ببينة انتقلت الحكومة للغائب فيبقى على حقه إذا قدم، وإن نكل المقر عن اليمين أخذ المدعي الشيء المدعى فيه بلا يمين، إذ لا معنى لليمين هنا، لأنها لا تقطع حجة الغائب.
المازري: الأولى عندي أن يستظهر باليمين الواجبة في القضاء على الغائب، فإن جاء الغائب المقر له بعد نكول المقر، وتسلم المدعي الشيء المدعى به، فصدق المقر فيما أقر له به أخذه بإقرار المقر، وهذا كقول ابن سحنون من ادعى دارا بيد غيره فقال: هي لفلان الغائب، فإنه إن حلف بقيت بيده، وإن نكل تسلمها المدعي بلا يمين حتى يقدم الغائب فيأخذها بإقرار من كانت بيده. انتهى من فتح الجليل (١).
وسكت الشيخ رحمه الله تعالى عما إذا لم يصدقه وفيه خلاف، ظاهر الروايات يأخذه بيت المال، وقيل: يبقى بيد المدعي إذ لا منازع له، وقيل: يعرض عنه الإمام صلحا.
قوله:(وإن استحلف وله بينة حاضرة أو كالجمعة يعلمها لم تسمع أي وإن طلب المدعي يمين المدعى عليه وللمدعي بينة حاضرة بالبلد أو كانت قريبة الغيبة كسبعة أيام يعلم بها وأراد إقامتها بعد ذلك لم تسمع أي لم تقبل عند ابن القاسم، لأن استحلافه له إسقاط لها، وقال أشهب تسمع، وصححه ابن القصار وغيره، لقول عمر ﵁: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة.
قوله: (وإن نكل في مال وحقه استحق به بيمين) أي وإن نكل مدعى عليه على اليمين في مال وحقه كخيار وأجل وشفعة ونحو ذلك استحق المدعي فيه بسبب نكول المدعى عليه مع يمينه وهو لا يستحقه بمجرد نكول المدعى عليه، إذ لا يستحق بشيء واحد، إنما يستحق بشيئين إما شاهدين ذكرين أو شاهد مع امرأتين، أو شاهدا مع يمين أو يمين مع نكول.
قوله:(إن حقق) أي إنما تكون اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه أن يحق دعواه بأن يعرف ما ادعى فيه، وأما إن كان موجب اليمين التهمة فلا يحتاج بيمين المدعي إذا نكل المدعى عليه، لأن المشهور توجهها وعدم انقلابها والنكول كما قال بن عرفة: من وجبت عليه فإن قال: لا أحلف أو قال لخصمه: احلف أنت، فذلك نكول منه.
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، في آخر باب الشهادات بعد قول خليل: وإن نكل أخذه بلا يمين.