القرافي في أنواء البروق في أنواع الفروق قاعدة: التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء، ولما يشاء على ما يشاء، فتفضيل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر، كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع، وكتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة، إذا تقرر هذا فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب، وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه، والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة. إذا تقررت هذه القواعد في أسباب التفضيل. فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها، والتفضيل إنما يقع بين المجموعات، وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله ﷺ:«أقضاكم علي وأفرضكم زيد ابن ثابت وأقرؤكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»(١) مع أن أبا بكر الصديق ﵃ أجمعين - أفضل الجميع، وكاختصاص سليمان ﷺ بالملك العظيم، ونوح ﷺ بإنذار المئين من السنين وآدم ﷺ بكونه أبا البشر، مع تفضيل النبي ﷺ على الجميع، فلولا هذه القاعدة وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض فقد يختص المفضول بما ليس في الفاضل، كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة والصلاة أفضل منه، وليس فيها ذلك، بل الحج أفضل من الغزو، وكذلك الحج فيه تكفير الذنوب كبيرها وصغيرها، وجاء في الحديث:«من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»(٢)، وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات، لأنه يوم الولادة كان كذلك. وقد ورد في بعض الأحاديث:«إن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات».
والصلاة ليس فيها ذلك مع أنها أفضل من الحج. انتهى (٣).
وفي إكمال الإكمال: قال ابن العربي: هذه الطاعات لا تكفر الكبائر وإنما
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١١٠) - كتاب السنة. الحديث: ١٥٤ (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ج ٧، ص: ٢٦٤. والدارمي في سننه كتاب المناسك (٧) - باب فضل الحج والعمرة الحديث: ١٧٦٧. وأخرجه أبو يعلى في مسنده الحديث: ٦١٩٨. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده الحديث: ١٠٢٧٤، ج ١٦، ص: ١٩٢. (٣) الفروق للقرافي: ج ٢، ص ٢١٢. الفرق الثالث عشر والمائة، القاعدة العشرين.