للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ظاهر الحديث من جهة أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره، وهي قاعدة صحيحة تعارض هذه القاعدة، وحصل الفرق من وجوه أحدها، أنه محمول على ما إذا أوصى بالنياحة كما قال طرفة (١):

فإن مت فانعني بما أنا أهله … وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

وثانيها أنهم كانوا يذكرون في نواحهم مفاخر هي مخاز عند الشرع، كالغصب والفسوق، فيعذب بها، فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما يقع في البكاء من الألفاظ، ولما كان بين البكاء وبين تلك الأمور ملازمة قد حصلت في الواقع، عبر بالبكاء عنها مجازا (٢).

قوله: ﴿ولا يترك مسلم لوليه الكافر ولا يغسل مسلم أبا كافرا ولا يدخله قبره إلا أن يضيع فليواره﴾ أي ولا يترك المسلمون مسلما لوليه الكافر في التمريض والتجهيز، لأن عداوة الدين أشد من محبة القرابة، فإن مات كافر فلا يغسله ابنه المسلم ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فليواريه في الأرض، ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم، لأنه ليس من أهل قبلتنا، ولا نعظم نحن قبلتهم.

قال المواق: وهذا موضع ما تقدم ذكره من قوله: ولا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه.

قوله: ﴿والصلاة أحب من النفل إذا قام بها الغير إن كان كجار أو صالحا﴾ أي والصلاة على الميت أحب عند مالك من النفل، ومن الجلوس في المسجد، إذا قام الغير بالصلاة عليه، إن كان الميت كجار أو صديق أو صالح أوشيخ أو معلم وأما إن لم يكن الميت مثل هؤلاء، فالنفل والجلوس في المسجد أحب إليه، وهذا إذا قام الغير بالصلاة عليه، وأما إذا لم يقم به الغير فإنها تتعين عليه.


= الجنائز، (١٢) - باب النهي عن البكاء على الميت الحديث: ٣٧.
(١) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري الوائلي، أبو عمرو: شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. ولد في بادية البحرين نحو سنة ٨٦ ق. ب، وتنقل في بقاع نجد. وقتل سنة: ٦٠ ق. ب. الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٢٢٥. والبيت من معلقته انظر ديوان طرفة تحقيق: د. درويش الجويدي: ص: ٥٦، ط ١: ١٤٢٩ هـ. المكتبة المصرية.
(٢) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق: ١٠١: ج ٢، ص: ١٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>