قال القرافي في الذخيرة: لا نزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم، لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة، وقبول الشفاعة وإنما الخلاف في زيادة الفضيلة التي شرع الله تعالى الإعادة لأجلها فالمذهب أن تلك الفضيلة لا تزيد وإن حصلت فضائل أخرى لكن لم يدل دليل على جعلها سببا للإعادة. انتهى (١).
قال صاحب التنوير: ينبغي أن لا تفوته ملازمة الخمس في الجماعة لتكون ملازمته لها سببا لتجديد الأنوار موجبا لوجود الاستبصار وقد قال ﷺ: «تفضل صلاة الجماعة صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»(٢) ولو شرع للعباد أن يصلي كل أحد في حانوته أو داره لتعطلت المساجد التي قال فيها الحق سبحانه: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ [النور: ٣٦] ولأن الجماعة إذا اجتمعت انبسطت بركات قلوبهم على من حضرهم وامتدت أنوارهم لمن شهدهم، ولأن ملازمة الخمس في جماعة اجتماع القلوب وتناصرها ورؤية المؤمنين واجتماعهم، وقال ﷺ:«يد الله مع الجماعة»(٣)، وإن ضيعها اشتغالا بسبب استوجب المقت من ربه ورفع البركة من كسبه وليستحي أن يراه الحق سبحانه مشغولا بحظوظ نفسه عن حقوق ربه، وقد كان بعض السلف يكون في صنعته فربما رفع المطرقة وسمع المؤذن فرماها من خلفه لئلا يكون ذلك شغلا بعد أن دعي إلى طاعة الله وليذكر إذا سمع المؤذن قوله ﷾: ﴿يتأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤]. انتهى (٤).
والصلاة في الجماعة مستحبة للرجل في خاصة نفسه، وأما إقامة الجماعة في الصلواة فإنها فرض في الجملة وسنة في كل مسجد سواء كان جامعا أو غيره خلافا لابن حبيب قال: مسجد الجامع أفضل من غيره، والجماعة الكثيرة أفضل من غيرها، وقد جاء أن الصلاة في مسجد الجامع حيث المنبر والخطبة أفضل من خمس
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٦٥. (٢) أخرجه البخاري صحيحه (١٥) - كتاب الجماعة والإمام (١) باب وجوب صلاة الجماعة الحديث: ٦٢٠. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) المساجد (٤٢) باب فضل صلاة الجماعة الحديث: ٦٤٩. (٣) أخرجه الترمذي في سننه (٣١) - كتاب الفتن (٧) - باب لزوم الجماعة الحديث: ٢١٦٦. (٤) التنوير في إسقاط التدبير لأحمد بن عطاء الله السكندري: ص: ٧٠ - ٧١ - ٧٢ - ٧٣.