للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومثال أسلفني وأسلفك أن يبيع له ثوبا بدينارين إلى شهر، ثم اشتراه بدينار إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إلى صاحبها ودفع الآن دينارا يأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوضا عما كان أعطاه، والثاني كأنه سلف يعطي عنه آخر بعد شهر آخر.

بيوع الآجال هو لقب لمكرر بيع على عاقدين الأول قبل اقتضاء الأول، فتمنع بعض صوره سدا للذريعة، لأن سد الذريعة مجتمع عليه، وإن اختص البعض بسدها في بعض الأحوال، كاختصاص مذهب مالك بسدها في بيوع الآجال.

الأصل في سد الذريعة قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨].

الذرائع على ثلاثة أقسام: ما منع مطلقا كحفر بئر، أو وضع شوك في طريق. وما يجوز مطلقا كغرس أشجار العنب، واتخاذ الأغراب دارا. وما اختلف فيه كما هنا وتمسك به الإمام مالك دون غيره، واستدل بالآية ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨].

ابن راشد في شرح ابن الحاجب: كان ينبغي للمصنف أن يقتصر على سلف جر نفعا، لأن البيع والسلف إنما منع للآية إلا سلفا جر نفعا والإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين سدا لذريعة الربا؛ ولقوله : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» (١) خشية الشهادة بالباطل، ومنع شهادة الآباء للأبناء، والعكس (٢).

وعلة تحريم جر السلف للنفع للمسلف، وذلك أن الله تعالى شرع السلف قربة للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرم، فيجوز دفع دينار ليأخذ عوضه دينارا إلى أجل قرضا. ترجيحا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا، وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات، قيل: فإذا وقع القرض ليجر نفعا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة، فيبقى الربا. من كتاب أنوار البر وق للقرافي (٣).

تنبيه: قال اللخمي: اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال.


(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ج ٥، ص: ٩٦.
(٢) الفروق للقرافي: الفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع، وقاعدة ما لا يسد منها: ج ٣، ص: ٢٢٢.
(٣) الفروق للقرافي: الفرق المائتان بين قاعدة ما يجوز من السلم وبين قاعدة ما لا يجوز منه: ج ٣، ص: ٢٣٨. ٢٣٩. ٢٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>