للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكبائر، قال: ويدل على ذلك حديث مباهاة الملائكة بالحاج، لأن الملائكة مطهرون مطلقا، ولا يباهى المطهر مطلقا إلا بمطهر مطلقا، فالقاتل يعفى عنه بحجه، وكذلك غير القتل من الكبائر.

قال: وهذا مقتضى خبره عن ربه تعالى، ولا حكم لسواه (١).

قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: ومصالح الحج تأديب النفوس بمفارقة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره؛ لتذكر المعاد، والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع، وهذه المصالح لا تحصى، ولا تحصل إلا للمباشر، كالصلاة في حكمها ومصالحها، فمن لاحظ هذا المعنى، وهو مالك ومن وافقه، قالوا: لا تجوز النيابة في الحج.

ومن لاحظ الفرق بين الحج والصلاة ومشابهة النسك في المالية، فإن الحج لا يعرى عن القربة المالية غالبا في الإنفاق في الأسفار، قال: تجوز النيابة في الحج. والشائبة الأولى أقوى وأظهر، وهي التي تحصل في الحج بالذات، والمالية إنما حصلت بطريق العرض. انتهى (٢).

وقال في الذخيرة تنبيه: قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يقل في الصلاة وغيرها لله، لأنهما مما يكثر الرياء فيهما جدا، ويدل على ذلك الاستقراء، حتى إن كثيرا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثا في شيء من ذلك، إلا ذكر ما اتفق له أو لغيره في حجه، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما: لله اعتناء بالإخلاص. انتهى (٣).

الحج بفتح الحاء وكسرها بمعنى قوي عليه.

قال السهيلي (٤): بنيت الكعبة في الدهر خمس مرات:


(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٤٨/ ٤٤٩.
(٢) الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ١٩٦. الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه، وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ١٧٣.
(٤) عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في مالقة سنة: ٥٠٨ هـ. ومات سنة: ٥٨١ هـ. من مؤلفاته: الإيضاح والتبيين لما أبهم من تفسير الكتاب المبين وغيره. الأعلام للزركلي، ج ٣، ص: ٣١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>