الثالث: لا يكون إلا بالضرب بالسوط، والتعزير يكون بغير ذلك من الحبس، واللوم، والإقامة، ونزع العمامة كما سيذكر، وكذلك الضرب بالسوط وغيره، كالعصى، واليد، وإن زاد التعزير بالضرب على الحد، وقد وجد رجل ضم صبيا على صدره فوق المسجد، فأمر مالك نعم الله بضربه أربع مائة سوط، وانتفخ ومات ولم يستعظم مالك ذلك. انتهى.
والتعزير إنما يجوز منه ما أمنت عاقبته أولا وإلا لم يجز.
قوله:(أو أتى على النفس) أي وعزر الإمام لمعصية الله، أو لحق الآدمي، وإن زاد على الحد أو أتى على النفس مع ظن السلامة منه، وإلا ضمن، وقد ذكر عن مالك رحممة الله أن النكال أحيانا يكون أكثر من الحدود، وذلك في أمور ولم يذكر فيها حد، كمن عهد إلى قوم فحرق عليهم بيوتهم، أو حرق زروعهم، أو عقر دوابهم، أو مثل بها كقطع أذنابها، فهذا وشبهه من الفساد في الأرض، فللسلطان الاجتهاد فيه، ويجعل النكال أكثر من الحد على ما يرى من الجرم، والجرءة مع الغرم لما أفسد، والضرب في التعزير ليس له حد معلوم وقد يختلف، وليس الرجل الذي له القدر كغيره ممن ليس مثله، وذكر أن عمر رحممة الله كتب إلى أبي موسى ألا يزيد في التعزير على ثلاثين جلدة، وفي الحديث:«من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين»(١).
قوله:(وضمن ما سرى، كطبيب جهل، أو قصر، أو بلا إذن معتبر، ولو إذن عبد بفصد، أو حجامة، أو ختان) شرع تحلله في موجبات الضمان أي وضمن الطبيب وشبهه من خاتن ونحوه ما سرى من سببه إن جهل كيفيته، ويؤدب مع الضمان لتعديه.
الواو في وضمن ما سرى للاستيئناف، وكذلك يضمن إن قصر عما أذن له فيه، أو زاد، كما إذا قلع سنا غير المأمور بها، فإنه يضمن ولا يؤدب، وكذلك يضمن ما فعله بغير إذن أو بإذن غير معتبر، ولو كان الإذن إذن عبد بفصد أو حاجمة، أو ختان، وهذا في بلد لا يفعل العبد ذلك إلا بإذن سيده، وأما في البلد الذي جرت العادة أن العبد يفعله بلا إذن فلا ضمان على فاعله.
قوله:(وكتأجيج نار أي كما يضمن ما أتلفت النار إذا أججها (في يوم) ريح (عاصف) أي شديد ما كان يغلب على الظن عند الوقود وصولها إليه، فلو أججها في
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (٥٦) / كتاب الأشربة والحد فيه، ٢٤ - باب ما جاء في التعزير وأنه لا يبلغ به أربعين. الحديث: ١٨٠٣٩.