بسبب شرب مسلم مكلف ما يسكر أي شيئا يسكر جنسه قل أو كثر، وإن لم يسكر هو إذا شربه طوعا منه لا كرها، وشربه بلا عذر ولا ضرورة ولاظنه غيره أي ولا ظن الخمر غيره فشربه فإنه في هذه الأعذار لا يحد.
وقوله: بلا عذر يغني عن قوله: طوعا، وعن قوله: وضرورة، وعن قوله: أو ظنه غيره، لأن هذا كله يدخل في العذر، ولكن لما ذكر الشيوخ نصا أتى به، ويحد إن شربه مع دعواه لا إن علم أن في شرب المسكر حدا، فلا يعذر بالجهل في الحدود، وكذلك يحد إذا شربه وقال: جهلت حرمته لأجل قرب عهده بالإسلام فلا يعذر بذلك، فيحد ولو كان حنفيا شرب النبيذ أي مذهبه مذهب أبي حنيفة ﵁، وصحح بعض الشيوخ نفي حده، لأنه مقلد لمجتهده، ومقلد المجتهد كالمجتهد لا سيما إن قلنا أن كل مجتهد مصيب.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الظاهر نفي الحد.
الاجتهاد شبهة أدرؤوا الحدود بالشبهات.
قوله:(ثمانون) أي يجب ثمانون جلدة بشرب المسلم المكلف ما يكسر جنسه، ولم يأت فيه نص القرآن، وإنما أتى النص في القذف وقاس عليه بعض العلماء حد الشرب، لأنه إذا سكر هذر، وإذا هذر افترى، إنما يحد الثمانين في فور إذا كان مطيقا عليها، وإلا فرق عليه، ولا يحد إلا بعد صحوه من سكره، إذ به يجد ألم الضرب والمذلات والمهانات في نفسه، وذلك إنما يحصل لبراءة العقل.
قال القرافي في أنوار البروق: القاعدة الأولى أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع، ولذلك لا يحد المجنون بسبب الجناية في الصحة، ولا السكران لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهده المكلف من المؤلمات والمهانات والمذلات في نفسه، وذلك إنما يحصل بمرآت العقل. انتهى (١).
قوله:(بعد صحوه، وتشطر بالرق، وإن قل) أي ويشطر الحد بسبب الرق سواء كان قنا أو غيره، كالمكاتب والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل والمدبر وأم المولد، لإمكان التجزئة، وأما حيث لا تمكن التجزئة، فالعبد والحر سواء، كالحرابة والردة والعياذ بالله منهما.
قوله:(إن أقر، أو شهدا بشرب، أو بشم) أي لما ذكر الحد شرع يذكر ما يثبت به،
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ٢٤٥. الفرق الثالث والخمسون والمائة.