واعتبر كلام الأولى فإنه مع صدق تشبيهه, وصقالة وجوهه، قد جمع من حسن الكلام أنواعاً، وكشف عن محيّا البلاغة قناعاً، وقرن بين جزالة اللفظ وحلاوة البديع، وضم تفاريق المناسبة والمقابلة والمطابقة والمجانسة والترتيب والترصيع، فلما صدق تشبيهها، فقد شبهت بخل زوجها، وأنه لا ينال ما عنده مع شراسة أخلاقه، وكبر نفسه، بلحم الجمل الغث على رأس الجبل الوعر، فشبهت (١) وعورة خلقه بوعورة الجبل، وبُعد خيره ببعد اللحم على رأسه، والزهد فيما يُرجى منه لقلته وتعذره، بالزهد في لحم الجمل الغث، فأعطت التشبيه حقه، ووفته قسطه، وهذا من تشبيه الجلي بالخفي، والمتوهم بالمحسوس، والحقير بالخطير، وساق في التشبيه آيات قرآنية ثم تكلم على كل عبارة بما يناسبها من البديع، وما فيها من كل معنى غريب، إلاّ أنه أطال لأنه ألّف كتاباً (٢) مستقلاً في هذا الحديث وشرحه.
الخامس: حديث (جابر):
٥ - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَفْرُكُ مُؤمِنٌ مُؤْمِنَةً, إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلْقًا رَضِيَ آخَرَ". أخرجه مسلم (٣). [صحيح]
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠). (٢) بعنوان: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد. انظر: "كشف الظنون" (٥/ ٨٠٥). (٣) في "صحيحه" رقم (٦٣/ ١٤٦٩). وأخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ٣٢٩). وهو حديث صحيح.