ابتاعت الآخرة بالدنيا بلا شرط ولا ثنيا. نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق، فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفى ظلم الدياجى سهرت، فهى بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش. هذه نفس خدوم عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم.
• حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون: صف لنا من خيار من رأيت. فذرفت عيناه وقال: ركبنا مرة في البحر نريد جدة، ومعنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة، قد ألبس ثوبا من الهيبة. فكنت أحب أن أكلمه فلم أستطع. بينما نراه قارئا، وبينما نراه صائما وبينما نراه مسبحا. إلى أن رقد ذات يوم، ووقعت في المركب تهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضا إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلي من هذا الفتى النائم. فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته فما كان حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات ثم قال: يا فتى ما تشاء؟ فقلت: إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس قد فتش بعضهم بعضا حتى بلغوا إليك. فالتفت إلى صاحب الصرة وقال: أكما يقول؟ فقال: نعم! لم يكن أحد أقرب إلي منك. فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه وخيل إلينا أن كل حوت في البحر قد خرج في فم كل حوت درة فقام الفتى إلى جوهرة في في حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال: في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حل.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمد بن حمدان ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي قال سمعت أبا الفيض ذا النون يقول:
إلهي من ذا الذي ذاق طعم حلاوة مناجاتك فألهاه شيء عن طاعتك ومرضاتك