للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلما رآهما لا يتكلمان علم ما في ذلك وأمسك عنهما، ثم قال له الرشيد: قد صدقت يا ابن إدريس، فكيف بصرك بكتاب الله تعالى؟ فقال له الشافعي:

عن أي كتاب الله تسألني؟ فإن الله أنزل ثلاثا وسبعين كتابا على خمسة أنبياء، وأنزل كتابا موعظة لنبى وحده، وكان سادسا، أو لهم آدم وعليه أنزل ثلاثين صحيفة كلها أمثال، وأنزل على أخنوخ وهو إدريس ست عشرة صحيفة كلها حكم، وعلم الملكوت الأعلى.

وأنزل على إبراهيم ثمانية صحف كلها حكم مفصلة، فيها فرائض ونذر. وأنزل على موسى التوراة كلها تخويف وموعظة. وأنزل على عيسى الإنجيل ليبين لبني إسرائيل ما اختلفوا فيه من التوراة وأنزل على داود كتابا كله دعاء وموعظة لنفسه حتى يخلصه به من خطيئته، وحكم فيه لنا واتعاظ لداود وأقاربه من بعده. وأنزل على محمد الفرقان وجمع فيه سائر الكتب فقال: ﴿تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة﴾ ﴿أحكمت آياته ثم فصلت﴾. فقال له الرشيد: قد أحسنت في تفصيلك أفكل هذا علمته؟ فقال له: إي والله يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: قصدي كتاب الله الذي أنزله الله على ابن عمي رسول الله الذي دعانا إلى قبوله، وأمرنا بالعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه فقال: عن أي آية تسألني؟ عن محكمه أم عن متشابهه؟ أم عن تقديمه أم عن تأخيره؟ أم عن ناسخه أم عن منسوخه؟ أم عن ما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته أم عن ما ثبتت تلاوته وارتفع حكمه؟ أم عن ما ضربه الله مثلا، أم عن ما ضربه الله اعتبارا أم عن ما أحصى فيه فعال الأمم السالفة، أم عن ما قصدنا الله به من فعله تحذيرا؟. قال: بم ذاك؟ حتى عدله الشافعى ثلاثا وسبعين حكما في القرآن. فقال له الرشيد: ويحك يا شافعي، أفكل هذا يحيط به علمك؟ فقال له يا أمير المؤمنين! المحنة على القائل كالنار على الفضة، تخرج جودتها من رداءتها فها أنا ذا فامتحن. فقال له الرشيد: ما أحسن، أعد ما قلت فسأسألك عنه بعد هذا المجلس إن شاء الله. قال له: وكيف بصرك بسنة رسول الله صلى الله عليه

<<  <  ج: ص:  >  >>