وكما يجوزُ في الطهرِ الذي لمْ يتقدم طلاقٌ في حيضته ولا يَخْفَى قربُ ما قَالُوه. وفي قولِه:"قبلَ أنْ يمسَّ" دليلٌ علَى أنهُ إذا طلَّقَ في الطهرِ بعدَ المسِّ فإنهُ طلاقٌ بِدْعِي محرَّمٌ وبهِ صرَّحَ الجمهورُ، وقالَ بعضُ المالكيةِ: إنهُ يُجْبَرُ على الرجعةِ فيهِ كما إذا طلقَ وهي حائضٌ. وفي قولِه:"ثم تطهرَ"، وقولِه:"طاهرًا" خلافٌ للفقهاءِ هلِ المرادُ بهِ انقطاعُ الدمِ أوْ لا بدَّ منَ الغُسْلِ؟ فعنْ أحمدَ روايتانِ الراجحُ أنهُ لا بدَّ منِ اعتبارِ الغُسلِ لما مرَّ في روايةِ النسائيِّ (١): "فإذا اغتسلتْ منْ حيضتِها الأخْرى فلا يمسَّها حتى يُطَلِقَها وإنْ شَاءَ أنْ يمسكَها أمسكَها"، وهوَ مفسِّرٌ لقولِه: طاهرًا، وقولِه: ثمَّ تطهرُ.
وقولِه:"فتلك العدةُ التي أمرَ اللَّهُ أنْ تطلَّقَ لها النساءُ" أي أَذِنَ في قولِه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(٢). وفي روايةِ مسلمٍ (٣) قالَ ابنُ عمرَ: وقرأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} الآيةَ. وفي الحديثِ دليل على أن الأقراءَ الأطهارَ للأمْرِ بطلاقِها في الطهرِ، وقولِه:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(٢) أي وقتَ ابتداءِ عدتهنَّ، وفي قولِه: أو حاملًا، دليل على أن طلاقَ الحاملِ سنيٌّ وإليهِ ذهبَ الجمهورُ.
وإذا عرفتَ أن الطلاقَ البدعيَّ منهيٌّ عنهُ محرَّمٌ فقدِ اختُلِفَ فيهِ هلْ يقعُ ويُعْتَدُّ بهِ أمْ لا يقعُ؟ فقالَ الجمهورُ: يقعُ، مستدلينَ بقولِه في هذَا الحديثِ:(وفي أُخْرى) أي في روايةٍ أُخْرى (للبخاريِّ: وحُسِبَتْ تطليقةٌ) وهوَ بضمِّ الحاء المهملةِ مبني للمجهولِ منَ الحسابِ، والمرادُ جَعْلُها واحدةً منَ الثلاثِ التطليقاتِ التي [ملكها](٤) الزوجُ ولكنَّهُ لم يصرحْ بالفاعلِ هنا؟ فإنْ كانَ الفاعلُ ابنَ عمرَ فلا حجةَ فيهِ وإنْ كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فهوَ الحجةُ إلَّا أنهُ قدْ صرَّحَ بالفاعلِ في غيرِ هذهِ الروايةِ كما في مسندِ ابن وهبٍ بلفظِ وزادَ ابنُ أبي ذئبٍ في الحديثِ:"عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهي واحدةٌ"، وأخرجَهُ الدارقطني (٥) منْ حديثِ ابن أبي ذئبٍ وابنِ إسحاقَ جميعًا عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "قالَ هيَ واحدةٌ". وقدْ وردَ
(١) في "السنن" (٦/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ٣٣٩٦). (٢) سورة الطلاق: الآية ١. (٣) في "صحيحه" (٢/ ١٠٩٨ رقم ١٤/ ١٤٧١). (٤) في (ب): "يملكها". (٥) في "السنن" (٤/ ٩ رقم ٢٤).