على ابن عمرٍ صومَ الدهرِ (١) فلا يعارضُ هذا إلا أنه علمَ - صلى الله عليه وسلم - أنهُ سيضعفُ عنهُ، وهكذا كان فإنهُ ضعُفَ آخرَ عمرِه، وكانَ يقولُ: يا ليتني قبلتُ رخصةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبُّ العملَ الدائمَ وإنْ قلَّ ويحثُّهم عليهِ.
(وعنِ ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أنْ يفطرَ ويُطعِمَ عنْ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليهِ، رواهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ وصحَّحاهُ). اعلمْ أنهُ اختلفَ الناسُ في قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}(٤)؛ فالمشهور أنَّها منسوخةٌ، وأنهُ كانَ أولَ فرضِ الصيامِ أن مَنْ شاءَ أطعمَ مسكينًا وأفطرَ، ومنْ شاءَ صامَ، ثمَّ نسختْ بقولِه تعالَى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}(٥)، وقيلَ بقولهِ:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(٦) وقالَ قومٌ: هي غيرُ منسوخةٍ، منْهم ابنُ عباسٍ كما هنا، ورُوِيَ عنهُ أنهُ كانَ يقرأ:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}(٤) أي: يُكَلَّفُونَهُ ولا يطيقونه ويقولُ: ليستْ بمنسوخةٍ، هي للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الهرمةِ، وهذَا هوَ الذي أخرجَهُ عنهُ مَنْ ذكرهُ المصنفُ، وفي سننِ الدارقطنيِّ (٧) عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "وعلى الذينَ يطيقونَهُ فديةٌ طعامُ مسكينٍ واحدٍ فمنْ تطوَّعَ خيرًا، قال: زادَ مسكينًا آخرَ فهو خيرٌ لهُ، قالَ: وليستْ منسوخةً إلا أنهُ رُخّصَ للشيخِ الكبيرِ الذي لا
(١) أخرجه البخاري (١٩٩٧)، ومسلم (١٨٦/ ١١٥٩). (٢) في "السنن" (٢/ ٢٠٥ رقم ٦) وقال: هذا إسناد صحيح. (٣) في "المستدرك" (١/ ٤٤٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. (٤) سورة البقرة: الآية ١٨٤. (٥) سورة البقرة: الآية ١٨٤. (٦) سورة البقرة: الآية ١٨٥. (٧) (٢/ ٢٠٥ رقم ٣ ورقم ٧): قال بعد رقم ٣: إسناد صحيح ثابت، وقال بعد رقم ٧: وهذا صحيح.