للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أنَّهم «كالشامة البيضاء في مسك الثور الأسود» (١).

* فإن قالوا: أنتم تعلمون قبحه ضرورةً؛ غير أنكم كابرتم وعاندتم، وحملكم على ذلك التلد، والميل إلى الهوى، وحب المذهب؛ فتتعصبون لأجل هذا، فتظهرون غير ما تُضمرون.

• قلنا: تقلب هذه الدعوى عليكم، ونعكس؛ فنقول: بل أنتم قد عرفتم أنَّه غير معلوم ضرورةً، وإنَّما عاندتم ميلا إلى الهوى، وتعصبا للمذهب، فكل ما أمكن عكسه على الخصم، وتساوى الخصمان في دعواه لم يكن دليلا.

جواب آخر: وهو أنا نمزج هذا بضرب من البرهان، فنقول: إنكار الضروريات مما لا يمكن التواطؤ عليه، والتواصي بكتمانه؛ فإنْ تُصُوِّرَ ذلك من فئة قليلة، وزمرة يسيرة، وشرذمة من النَّاس في مدة قريبة؛ فإنَّه يتبيَّن بطلانه، وينكشف كتمانه على قُربِ وكَثَبٍ.

فأما الفئة الكثيرة العظيمة التي لا يُحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد؛ فلا يجوز عليهم التواطؤ في ذلك على تعاقب العصور واختلاف الدهور، وأنتم تعلمون أن مخالفيكم قد طبقوا طباق الأرض ذات الطُّول والعرض؛ فلو [٧٥/ ظ] كانوا مبطلين، لانكشف الغطاء وتبين الخطأ في أقرب مُدَّةٍ.

فلو جاز أن يقال مثل هذا، لجاز أن يقال بأنَّ مَنْ أخبر أنَّ في الدُّنيا بلدًا يقال له مكة أو الصين، فهو كذب باطل؛ لأنَّه يحتمل أن يكون قد تواطأ


(١) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث أبي سعيد الخدري ضمن حديث. انظر: «المنتخب من مسند عبد بن حميد» (٩١٧).

<<  <   >  >>