وقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ... [ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١» ، وقرأَتْ فرقةٌ:«واستفتحوا»«٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.
وقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] ، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ:«الصديد» : القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.
(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٢٨) برقم: (٢٠٦٢٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٠) ، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٦) بنحوه. (٢) وقرأ بها ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن. قال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، أي: قال لهم: استفتحوا. ينظر: «المحتسب» (١/ ٣٦٠) ، و «الشواذ» ص: (٧٢) ، و «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٣٠) ، و «البحر المحيط» (٥/ ٤١٠) ، و «الدر المصون» (٤/ ٢٥٦) . (٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٤٢٨- ٤٢٩) . (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤٢٩) برقم: (٢٠٦٢٧) ، وبرقم: (٢٠٦٣١) بنحوه، وذكر ابن عطية (٣/ ٣٣١) ، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٦) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٣٨) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث والنشور» . [.....]