للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الفصل] الثاني في التواتر (١)


(١) تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد هو تقسيم وارد في الكتب المتأخرة بعلم مصطلح الحديث، وقد وقع في كلام بعض المتقدمين كالإمام الشافعي ذكر متواتر السنة، ولكن التقسيم الذي وجد في كتب أصول الفقه ودخل على كتب المصطلح المتأخرة هو تقسيم - باعتبار حده - لا أصل له؛ ذلك أنهم يقولون في حد المتواتر: «هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب»، والسوء في هذا الحد في نتيجته، فإنهم قالوا: إن الاعتقاد لا يحتج فيه إلا بمتواتر!!.
وهذا الكلام الذي وضعه أئمة النظار من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية، حقيقته: إبعاد للسنة في الجملة عن الاستدلال في مسائل أصول الدين؛ لأن شرط التواتر اللفظي لا ينطبق إلا على عدد قليل جدا من الأحاديث، لهذا نجد أن أهل المصطلح كابن الصلاح ونحوه - البعيدين عن شر العلم الكلامي المقاربين للسنة والجماعة - لا يتعرضون لذكر هذا الحد؛ لأنه ليس هناك متواتر لفظي من كلام الرسول إلا جملة يسيرة من الأحاديث، وهذا على أحسن تقدير إن لم نقل إنه لا مثال له من جهة السنة، فهو إن ثبت؛ فله أمثلة ليست بالكثيرة، وهذا يستلزم أن جمهور كلام النبي - الذي اتفق المحدثون عليه، واتفق عليه الصحابة، بل اتفقت عليه الأمة - لولا مخالفة هؤلاء النظار - والذي هو مبنى معتقدها مع كلام الله ؛ أنه لا يصلح حجة في مسائل الاعتقاد ومسائل أصول الدين.
ولما ظهر علم الكلام في قرن التابعين، وظهر النظار، كتبوا هذه النظرية التي رافقت بعض ألفاظها ألفاظا تكلم بها أئمة الحديث من المتقدمين؛ فإن لفظ «التواتر» ولفظ «الواحد» من الألفاظ المستعملة في كلام متقدمي أئمة الحديث، فلما تشابهت الألفاظ لم يتبين كثير من المتأخرين الحد الذي يقصده المتقدمون من أئمة الحديث بلفظ الواحد من الحديث، أو «ما رواه الواحد»؛ فإنهم لا يقصدون بـ: ما رواه الواحد ما تقصده أئمة النظار بـ: «الآحاد»، وكذلك المتواتر الذي ذكره الشافعي وغيره لا يقصدون به المعنى الذي يذكره النظار من المتكلمين.
إذا؛ هذا الحد لا شك أنه حد باطل؛ لأنه يستلزم أن جمهور السنة النبوية لا يصح أن يحتج بها في مسائل الاعتقاد، وهذا مبني على مسألة، وهي: أن مسائل الاعتقاد لا بد أن تكون قطعية، وأن القطعي: هو الذي يثبت بعلم قطعي، وأن العلم القطعي لا يثبت إلا بالمتواتر الذي شرطه أن يكون رواه جماعة عن جماعة إلخ، وأما ما عدا ذلك من الرواية والبلاغ والخبر فإنه يكون ظنيا، والظن لا يناسب أن يكون معتقدا للمسلمين. =

<<  <   >  >>