- يجوز [عندنا](٢) تكليف ما لا يطاق، خلافا للمعتزلة والغزالي (٣)، وإن
(١) أفرد المؤلف هذا الفصل لمسألة مشهورة عند الأصوليين، وهي التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، ومنشأ الكلام في هذه المسألة الخوض في القضاء والقدر الذي هو من مسائل أصول الدين، فلا صلة لها بأصول الفقه، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﷺ أن القول بتكليف ما لا يطاق وقوعا وجوازا لا يعرف عن أحد من السلف والأئمة، وأكتفي بذكر تحقيق الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ل، فقد بين أن حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين: الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي: هل يجوز عقلا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه، أو يمتنع ذلك عقلا؟ الثانية: هل يمكن ذلك شرعا أو لا؟ وبين أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلا بما لا يطاق، وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوه. أما بالنسبة إلى الامكان الشرعي ففي المسألة تفصيل، فيقال: إن التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، قسمان: أ - المستحيل لذاته كالجمع بين الضدين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ب - المستحيل لا لذاته: بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، وذلك كإيمان أبي لهب فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعا تكليفه بالإيمان، مع أنه مكلف به قطعا إجماعا، ولكن هذا الجائز عقلا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعا وهو واقع بإجماع المسلمين. ينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٠٢)، سلاسل الذهب (ص ١٣٨)، مذكرة الشنقيطي (ص ٥٠ - ٥٣)، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص ١٣٧ - ١٤٦)، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (ص ٣٣٧). (٢) مزيد من (د). (٣) هذا مذهب جمهور الأشاعرة، وخالف في ذلك ابن الحاجب والغزالي وتبعه الآمدي. ينظر: المعتمد (١/ ٩٤)، المستصفى (١/ ١٦٣ - ١٦٧)، الإحكام للآمدي (١/ ١٨٠)، مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٥١)، شرح الكوكب المنير (١/ ٤٨٥).