غيرهم، فأرسل أمير المسلمين (١) إليه جيشًا، فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونَهُ، وعظم أمره وتوجّه إلى جبل عند تيمنلل (٢) واستوطنه. ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم، فقال: إن الله تعالى أعطاني نورًا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس الجبل، وجعل يقول عن كل مَنْ يخافه هذا من أهل النار، فيلقى من رأس الشاهق فيسقط ميتًا، وكل من لا يخافه يقول: هذا من أهل الجنة، ويجعله عن يمينه حتى قتل خلقًا كثيرًا، واستقام أمره وأمن على نفسه، وعدة الذين قتلهم سبعون ألفًا، وسمى أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين، ولم يزل أمره يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فجهز جيشًا، يبلغون أربعين ألفًا فيهم الونشريسي (٣) وعبد المؤمن إلى مراكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يومًا، ثم سار متولي سجلماسة للكشف عن مراكش، وطلع أمير المسلمين وقاتل الونشريسي، وبقي عبد (المؤمن) يقاتل قتالًا شديدًا، فقتل الونشريسي، وبقي عبد المؤمن مقدم الجيش (٤)، واشتد عليهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي هزيمة عسكره وهو مريض، فاشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن، فقيل إنه سالم، فأمر أصحابه باتباع عبد المؤمن، وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد، وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور، وعمره إحدى وخمسون سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى (تينمل)(٥) وأقام بها يؤلف قلوب الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ثم سار عبد المؤمن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين يسير في الوطأة قبالة عبد المؤمن، وفي سنة تسع وثلاثين سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران، وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وهي ليلة يعظمها المغاربة سار تاشفين في جماعة يسيرة ة (٦) ليزور مكانًا على البحر فيه
(١) الأصل: المؤمنين. (٢) كذا في المختصر وفي الأصل: بيت ملك. وفي الوفيات (تين مل) واخترت ما في كتاب الاستبصار ونزهة المشتاق ومراصد الاطناع. (٣) سماه ابن خلكان: عبد الله الونشريسي. (٤) عبارة المختصر: وطلع أهل مراكش وأمير المسلمين، واقتتلوا فقتل الونشريسي، وصار عبد المؤمن مقدم العسكر. (٥) في الأصل: بيت ملك. وفي المختصر: تيتمليل، وفي البيان المغرب (قسم الموحدين) ص ١٥: تينمل، واخترت ما في الاستبصار وغيره. (٦) بعدها في المختصر: متخفيًا.