للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ليس عن هذا أسألك (أمخلوقٌ هو) (١)؟ قال: ما أحسن غيره. قال إسحاق للكاتب: اكتب ما قال. ثم سأل غيره وغيره. ويجيبون قريبًا مما أجاب به بشر. فقال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. لا أزيد غيرها. ثم سأل قتيبة وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبه. فأجابوا: إن القرآن مجعول لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢). والقرآن محدث لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٣) قال إسحاق: فالمجعول مخلوق. قالوا: نعم، قال: فالقرآن مخلوق. قالوا: لا نقول مخلوق بل مجعول، فكتب مقالتهم ومقالة غيرهم رجلًا رجلًا، ووجهت إلى المأمون.

فورد جواب المأمون إلى إسحاق أن يُحضر قاضي القضاة بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي، فإن قالا أن القرآن مخلوق وإلا ضُرِبَتْ أعناقهما. وأما غيرهم فيحملوا إليه موثقين في الحديد، فجمعهم إسحاق وعرض عليهم ذلك، فقالوا كلهم بخلق القرآن إلا أربعة نفر، وهم: أحمد بن حنبل والقواريري (٤)، وسجادة (٥)، ومحمد بن نوح (٦)، فأقر بهم إسحاق، فشدّوا في الحديد، ثم سألهم فأجاب سجادة والقواريري إلى القول بخلق القرآن، فأطْلَقَهما، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فوجههما إلى طرسوس، ثم ورد كتاب المأمون يقول: بلغني أن بشر بن الوليد وجماعة معه إنما أجابوا بتأويل الآية التي أنزلها في عمار بن ياسر ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ (٧) وقد أخطأوا التأويل. فإن الله تعالى عنى بهذه الآية مَنْ كان مُضمرًا للإسلام ومظهرًا للشرك. فأما مَنْ كان مظهرًا للشرك مضمرًا للإيمان فليس هذا له. فأشخصهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم. فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.


(١) الزيادة عن المختصر.
(٢) سورة الزخرف: الآية (٥).
(٣) سورة الأنبياء: الآية (٢).
(٤) الحافظ القواريري، عبيد الله بن عمر، الحافظ. توفي سنة ٢٣٥ هـ. انظر: تارخ بغداد ١٠/ ٣٢٠ والبداية والنهاية ١٠/ ٣١٥ والوافي ١٩/ ٣٩٧.
(٥) سجادة، وهو الحسن بن عماد، البغدادي، الحضرمي، المتوفى سنة ٢٤١ هـ. انظر ترجمته في: النجوم الزاهرة ٢/ ٣٠٦ والوافي بالوفيات ١١/ ٤٢٧ وورد ذكره في تاريخ الطبري في مواضع شتى. انظر الفهرس.
(٦) محمد بن نوح بن ميمون بن عبد الحميد بن عبد الرجال العجلي، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، امتحن بالقول بخلق القرآن، حُمِلَ مع الإمام أحمد إلى الرقة فمات في الطريق ودفن بعانه سنة ٢١٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٣٢٢ والوافي بالوفيات ٥/ ١٣٤.
(٧) سورة النحل: الآية ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>