وقد اختلف في سماع سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب، فأثبته أحمد بن حنبل ونفاه غيره [انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٦١)، تاريخ الدوري (٢/ ٢٠٧)، المراسيل (٢٤٧ و ٢٤٨ و ٢٤٩ و ٢٥٥)]، والصحيح أنه رآه وكان صغيراً، ابن ثمان سنين، ويحتمل أن يكون حفظ عنه شيئاً يسيراً، وأما هذا فظاهره الإرسال، والله أعلم.
ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، قال البيهقي في الخلافيات (١/ ٥٠٨): ومرسل ابن المسيب أولى بالأخذ به من مراسيل غيره، إذ لا أعلم خلافاً بين أئمة أهل النقل أن أصح المراسيل: مراسيل سعيد بن المسيب، وقال البيهقي في السنن في ضمان الرهن (٦/٤٢): «وذكر الشافعي ﵀ أخذه في هذه المسألة بمرسل سعيد بن المسيب دون غيره؛ لأن مراسيله أصح من مراسيل غيره، ولأنه قد روي موصولاً، والله أعلم»، ثم أسند إلى الإمام أحمد قوله:«مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته، وأما الحسن وعطاء فليس هي بذلك، هي أضعف المرسلات؛ لأنهما كانا يأخذان عن كل».
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/٣٠): «وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح»، والله أعلم.
هـ وحاصل ما تقدم: أن كل هذه القرائن لا سيما عمل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بهذا الكتاب، مع عدم إنكار أحد من الصحابة؛ مما صيره إجماعاً؛ لمما يقطع الشك باليقين بثبوت هذا الكتاب، وأن النبي ﷺ قد كتبه لعمرو بن حزم، وهذا يوجب العمل به، واعتقاد ثبوته وصحته عن النبي ﷺ، وإن لم يكن مسنداً، فهو على نحو ما قال ابن معين: حديث غير مسند، وكتاب غير مسموع؛ لكنه صحيح، والله أعلم.
• ونعود لنستكمل بقية الأسانيد التي وصلنا بها هذا الكتاب:
ب - ورواه يحيى بن جعفر: أنبأ وهب بن جرير: ثنا هشام أن يحيى بن أبي كثير، قال: كتب إليَّ يحيى بن سعيد نسخة الكتاب الذي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، فإذا فيه:«في الأنف إذا أوعب جدعه الدية كاملة، وفي العين نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي كل أصبع هنالك عشرة عشرة».
أخرجه البيهقي (٨/ ٨٥).
قلت: لم أقف عليه من غير هذا الوجه، فإن كان تفرد به يحيى بن جعفر، وهو: يحيى بن جعفر بن الزبرقان، ويقال له: يحيى بن أبي طالب، فهو حديث غريب جداً من حديث يحيى بن أبي كثير، ثم من حديث هشام الدستوائي، ثم من حديث وهب بن جرير، ولا يحتمل أن يتفرد به: يحيى بن جعفر بن الزبرقان؛ فقد وثقه الدارقطني وغيره، وتكلم