فإن قيل: إن مسروقاً وإن كان لم يلق معاذاً، فقد كان باليمن رجلاً أيام كون معاذ هنالك؛ وشاهد أحكامه، فهذا عنده عن معاذ بنقل الكافة.
قلنا: لو أن مسروقاً ذكر أن الكافة أخبرته بذلك عن معاذ لقامت الحجة بذلك؛ فمسروق هو الثقة الإمام غير المتهم، لكنه لم يقل قط هذا؛ ولا يحل أن يقول مسروق ﵀ ما لم يقل، فيكذب عليه؛ ولكن لما أمكن في ظاهر الأمر أن يكون عند مسروق هذا الخبر عن تواتر، أو عن ثقة؛ أو عمن لا تجوز الرواية عنه: لم يجز القطع في دين الله تعالى ولا على رسوله ﷺ بالظن الذي هو أكذب الحديث، ونحن نقطع أن هذا الخبر لو كان عند مسروق عن ثقة لما كتمه، ولو كان صحيحاً عن رسول الله ﷺ ما طمسه الله تعالى - المتكفل بحفظ الذكر المنزل على نبيه ﷺ، المتم لدينه - هذا الطمس؛ حتى لا يأتي إلا من طريق واهية، والحمد لله رب العالمين [نقله ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٤٣١)].
قلت: إنما نفى ابن حزم سماع مسروق من معاذ بالتخرص والظن، وقد سبق بيان أن رواية مسروق عن معاذ متصلة، وإن لم يذكر سماعاً في الإسناد، فهو حديث صحيح، متصل الإسناد برواية الثقات المشاهير، ثم إن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وسنة نبيه ﷺ، ومن ذلك ما شرعه الله تعالى في صدقة البقر، والتي وصلت إلينا بأسانيد صحيحة من حديث علي بن أبي طالب، موقوفاً عليه، وله حكم الرفع ﴿راجع: حديث علي في الصدقات﴾، ثم من حديث معاذ، وقد اشتهر عن معاذ، فرواه عنه متصلاً: مسروق، وعنه: أبو وائل شقيق بن سلمة، ثم اشتهر عنه، فرواه الأعمش وعاصم بن أبي النجود، وقد اشتهر عن الأعمش برواية جمع كبير من ثقات أصحابه، فمن لا يرى هذه الطرق وانتشارها، وقيام الحجة الرسالية بها على الخلق، فليراجع نفسه، ثم إن العامة قد أخذت بكتاب معاذ وتناقلته نقل عامة عن عامة، كما بين ذلك الشافعي، حتى حمله ذلك على قبول رواية طاووس المرسلة عن معاذ، بسبب ما رآه في اليمن من انتشار العلم بكتاب معاذ، بما لا يدع مجالاً للشك في ثبوت هذا الكتاب عن رسول الله ﷺ، وأنه قد كتبه لمعاذ، وبسبب ذلك الانتشار وكثرة النقل: فكأن البعض لم يعد يحتاج إلى ذكر من أخبره بذلك لكثرتهم، ولعل هذا كان السبب الحامل على إرساله من قبل: طاووس، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، والشعبي، كذلك فإن كتب الصدقات كانت محفوظة عند الخلفاء، لكي تنسخ للعاملين على الصدقات، ومن ذلك كتاب معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقد كان عند الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأخرجه ليُقرأ في مجلسه، ويُعمل بما فيه، فهل كان عمر بن عبد العزيز يعمل في شأن مقادير الصدقات بشيء لم يشرعه الله لعباده؟ بل ظاهر السياق يدل على أنه كان يعتمده لكونه كتاب رسول الله ﷺ، والذي لا يجوز لمسلم إلا اعتقاد صحة ما فيه، والعمل بما جاء به، والله أعلم.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٢): «هذا يرويه مسروق بن