إدراك عبد الله بن الحارث لعائشة وسماعه منها، حيث أدرك من هو أكبر من عائشة، كما أنه كان يدخل على الصحابة، ويدل الناس عليهم، حتى ينهلوا من علمهم، ولم يعرف عبد الله بتدليس ولم يشتهر بإرسال.
والأمثلة على هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وخارجهما [وانظر مثلاً: فضل الرحيم الودود (١٤/ ٩٨/ ١٢٧٣)]، إذ العبرة ليست فقط بثبوت السماع في الأسانيد، ولكن إذا دلت القرائن على الاتصال والسماع أعملناها وحكمنا بصحة الحديث، لا سيما مع تصحيح الأئمة له، وتلقيهم له بالقبول.
هذا مع العلم بأنني لا أتسمح في إثبات الاتصال بمجرد ثبوت المعاصرة والإدراك، بل لا بد من ثبوت السماع في الأسانيد، أو تقوم قرائن قوية دالة على الاتصال، مع عدم وجود النفي الصريح للسماع من إمام معتبر، ولم يخالف فيه، والله أعلم.
وللحديث طرق أخرى عن معاذ:
أ - روى عبد الله بن نمير [ثقة]، عن عبيد الله بن عمر [ثقة ثبت، من أثبت الناس في نافع]، قال: سألت نافعاً عن البقر؛ فقال: بلغني عن معاذ بن جبل؛ أنه قال: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة بقرة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢/ ٩٩٢٤) (٦/ ١٨١/ ١٠١٨٩ - ط الشثري)، والبيهقي (٤/ ٩٨).
وهذا إسناد منقطع رجاله كلهم ثقات، ونافع لم يدرك معاذاً، بينهما قرابة مائة عام، وهذا الموقوف له حكم الرفع.
ب - وروى محمد بن جعفر بن أبي كثير، وسليمان بن بلال [وهما مدنيان ثقتان]:
عن يحيى بن سعيد [الأنصاري: ثقة ثبت]، قال: أخبرني طاووس اليماني، عن النبي ﷺ ومعاذ بمثل حديث مروان بن معاوية الفزاري عن الأعمش، بلفظ: وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة. حديث محمد بن جعفر عند أبي عبيد.
ولفظ سليمان: قال طاووس: بعث رسول الله ﷺ معاذاً، فأمره أن يأخذ من البقر الصدقة: من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ستين تبيعين، ومن كل سبعين تبيعاً وبقرة مسنة. على نحو هذا الحديث.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (٩٩٥)، وسحنون بن سعيد في المدونة (١/ ٣٥٥).
وهذا مرسل بإسناد صحيح.
ج - وروى الشافعي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو مصعب الزهري، ويحيى بن بكير، وعبد الله بن وهب، وعبد الرزاق بن همام [وهم ثقات]:
عن مالك، عن حميد بن قيس، عن طاووس اليماني؛ أن معاذ بن جبل ﵁ أخذ من