لا نعرفه بعدالة ولا جرح، فنبين أن في القلب من ذلك الخبر، فإنا لا نستحل التمويه على طلبة العلم بذكر خبر غير صحيح لا نبين علته، فيغتر به بعض من يسمعه، فالله الموفق للصواب».
وقد سبق معنا في «الفضل» بيان إثبات الاتصال بالقرائن الدالة على اللقاء والسماع، مثل سماع يسيع بن معدان من النعمان بن بشير [راجع: الحديث رقم (١٤٧٩)]، ومما قلت هناك بأن عدم ذكر السماع في الأسانيد لا يعني حتما الانقطاع.
كما سبق أن ذكرت أيضا حديثا جزم شعبة فيه بعدم سماع التابعي من الصحابي، ومع ذلك فقد أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٢٧)، وهو حديث أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال:«خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال شعبة:«ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان»، وقال أبو حاتم:«أبو عبد الرحمن السلمي: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: قد روى عنه، ولم يذكر سماعا»، وقد قلت في الموضع المشار إليه: لم يثبت في رواية هذا الحديث سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان، إذ لم يقل: سمعت عثمان، وهو كما قال أبو حاتم:«لم يذكر سماعا»، لكن القرينة الواردة في هذا الحديث تدل على سماعه منه، وذلك أنه كان كبيرا في زمن عثمان، حتى إنه جلس لإقراء القرآن في زمن عثمان، بل قد اشتهر واستفاض أنه قرأ القرآن على عثمان، بل جزم الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٧٣) بإثبات السماع مطلقا، ولم يعتد بقول شعبة هذا، لاشتهار صحبة أبي عبد الرحمن السلمي لعثمان بن عفان وأخذه القرآن عنه، فلم يحتج لذكر السماع في الأسانيد، وإنما اكتفى بشهرة الصحبة، وأنه أخذ عنه القرآن، وهذا يدل على سماعه منه؛ وإن لم يقل في الإسناد: سمعت عثمان؛ لذا قال البخاري في التاريخ:«سمع عليا وعثمان وابن مسعود ﵃» [راجع: كلامي مفصلا على حديث عثمان فيما تقدم برقم (١٤٥٢)].
وانظر أيضا مثالا آخر، فيما رواه شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» [أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣)، راجع تخريجه في فضل الرحيم الودود (٧/ ٣٦٨/ ٦٦٨)]، وقد قال علي بن المديني:«سمعت يحيى يقول: كل شيء حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: فهو على السماع من أنس؛ إلا حديث إقامة الصف، قال: قلت ليحيى: شعبة أجمل هذا لك؟ قال: نعم»، ولم يكن يخفى على الشيخين قول شعبة في عدم سماع قتادة لهذا الحديث من أنس؛ إلا أنه لما ترجح لهما اتصال الحديث من وجه آخر أخرجاه، والله أعلم.
ومثال آخر: فيما رواه عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام» [أخرجه مسلم (٥٩٢)، وتقدم برقم (١٥١٢)، وهو حديث صحيح، صححه مسلم والترمذي وابن حبان وغيرهم]، وقد دلت الأدلة والقرائن على